ابن أبي العز الحنفي
220
شرح العقيدة الطحاوية
116 . وقال تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ الانعام : 54 . وقال تعالى : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي طه : 41 . وقال تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ آل عمران : 28 . وقال صلى اللّه عليه وسلّم في حديث الشفاعة لمّا يأتي الناس آدم فيقولون له : « خلقك اللّه بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء » « 182 » ، الحديث . ولا يصح تأويل من قال : إن المراد باليد : بالقدرة ، فإن قوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ص : 75 . لا يصح أن يكون معناه بقدرتي مع تثنية اليد ، ولو صح ذلك لقال إبليس : وأنا أيضا خلقتني بقدرتك ، فلا فضل له عليّ بذلك . فإبليس - مع كفره - كان أعرف بربه من الجهمية . ولا دليل لهم في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ يس : 71 . لأنه تعالى جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع ، ليتناسب الجمعان ، فاللفظان للدلالة على الملك والعظمة . ولم يقل : « أيدي » مضافا إلى ضمير المفرد ، ولا « يدينا » بتثنية اليد مضافا إلى ضمير الجمع . فلم يكن قوله : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا نظير قوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن ربه عز وجل : « حجابه النور ، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 183 » . ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء ، أو جوارح ، أو أدوات ، أو أركان ، لأن الركن جزء الماهية ، واللّه تعالى هو الأحد الصمد ، لا يتجزأ ، سبحانه وتعالى ، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية « 184 » ، تعالى اللّه عن ذلك ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ الحجر : 91 . والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع . وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرّة . وكل هذه المعاني منتفية عن اللّه تعالى ، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات اللّه تعالى . فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني ، سالمة من الاحتمالات الفاسدة ،
--> ( 182 ) صحيح ، أخرجه البخاري ( 4 / 454 ، 464 ) وأحمد ( 3 / 116 ) في حديث الشفاعة من حديث أنس ، وسيأتي بلفظ آخر . ( ص 229 ) . ( 183 ) صحيح ، وقد تقدم بتمامه ( برقم 52 و 171 ) . ( 184 ) التعضية : التقطيع ، وجعل الشيء أعضاء .