ابن أبي العز الحنفي

216

شرح العقيدة الطحاوية

قلتم : ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه ، وإلا أقررناه ! قيل لكم : وبأي عقل نزن القاطع العقلي ؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع ! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد ! ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية اللّه تعالى ، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى ! ! وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام ، ويلزم حينئذ محذوران عظيمان : أحدهما : أن لا نقرّ بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثا طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل ! وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدّعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه ، فيؤول الأمر إلى الحيرة المحذورة . الثاني : أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول . إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد ، والتأويلات مضطربة ، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ اللّه به العباد ، وخاصة النبي هي الانباء ، والقرآن هو النبأ العظيم . ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد ، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه قبلوه ، وان خالفته أولوه ! وهذا فتح باب الزندقة ، نسأل اللّه العافية . قوله : ( ومن لم يتوقّ النفي والتشبيه ، زل ولم يصب التنزيه ) . ش : النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب ، فإن أمراض القلوب نوعان : مرض شبهة ، ومرض شهوة ، وكلاهما مذكور في القرآن ، قال تعالى : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ الأحزاب : 32 . فهذا مرض الشهوة ، وقال تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً البقرة : 10 . وقال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ التوبة : 125 . فهذا مرض الشبهة ، وهو أردأ من مرض الشهوة ، إذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة ، ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه اللّه برحمته . والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها ، وشبه النفي أردأ من شبه التشبيه ، فإن شبه النفي ردّ وتكذيب لما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وشبه التشبيه غلو مجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . وتشبيه اللّه بخلقه كفر فإن اللّه تعالى يقول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ