ابن أبي العز الحنفي
214
شرح العقيدة الطحاوية
على قوله ( إلا اللّه ) ، وقراءة من لا يقف عندها ، وكلتا القراءتين حق . ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر اللّه بعلم تأويله . ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره ، وهو تأويله . ولا يريد من وقف على قوله ( إلا اللّه ) أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى ، فإن لازم هذا أن يكون اللّه أنزل على رسوله كلاما لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول ، ويكون الراسخون في العلم لا حظّ لهم في معرفة معناها سوى قولهم : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا آل عمران : 7 . وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين ، والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوامّ المؤمنين في ذلك . وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله . ولقد صدق رضي اللّه عنه ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم دعا له وقال : « اللهم فقّهه في الدين ، وعلّمه التأويل » « 180 » . رواه البخاري وغيره . ودعاؤه صلى اللّه عليه وسلّم لا يرد . قال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس ، من أوله إلى آخره ، أقفه عند كل آية وأسله عنها . وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن ، ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا اللّه . وقول الأصحاب رحمهم اللّه في الأصول : المتشابه : الحروف المقطعة في أوائل السور ، ويروى هذا عن ابن عباس . مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس ، فإن كان معناها معروفا ، فقد عرف معنى المتشابه ، وإن لم يكن معروفا ، وهي المتشابه ، كان ما سواها معلوم المعنى ، وهذا المطلوب . وأيضا فإن اللّه قال : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ آل عمران : 7 . وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين .
--> ( 180 ) صحيح ، رواه أحمد ( 1 / 266 ، 314 ، 328 ، 335 ) والطبراني في « المعجم الكبير » ( 1 / 84 / 2 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » والضياء المقدسي في « المختارة » بسند صحيح عن ابن عباس . وأما عز والمصنف إياه للبخاري فوهم ، وانما عنده بلفظ : « اللهم علمه الحكمة » ، وفي لفظ « الكتاب » بدل « الحكمة » ، أخرجه ( 1 / 31 ، 2 / 445 ، 4 / 499 ) وهو رواية لأحمد ( 1 / 214 ، 269 ، 359 ) والطبراني ، ورواه مسلم ( 7 / 158 ) مختصرا بلفظ : « اللهم فقّه » . وهو رواية لأحمد ( 1 / 327 ) وفي أخرى له ( 1 / 330 ) عن ابن عباس قال . . فدعا اللّه أن يزيدني علما وفهما .