ابن أبي العز الحنفي

204

شرح العقيدة الطحاوية

ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده ، فإنه يقول برأيه وهواه ، ويقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من اللّه ، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول ، فإنه قد اتخذه في ذلك إلها غير اللّه . قال تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ الفرقان : 43 . أي : عبد ما تهواه نفسه . وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق ، كما قال عبد اللّه بن المبارك رحمة اللّه عليه : رأيت الذنوب تميت القلوب * وقد يورث الذلّ إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ، ويعارضونها بها ، ويقدمونها على حكم اللّه ورسوله . وأحبار السوء ، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة ، المتضمنة تحليل ما حرم اللّه ورسوله ، وتحريم ما أباحه ، واعتبار ما ألغاه ، وإلغاء ما اعتبره ، واطلاق ما قيده ، وتقييد ما أطلقه ، ونحو ذلك . والرهبان وهم جهال المتصوفة ، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع ، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية ، المتضمنة شرع دين لم يأذن به اللّه ، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، والتعوض عن حقائق الايمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس . فقال الأولون : إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة ! وقال الآخرون : إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل ! وقال أصحاب الذوق إذا تعارض الذوق والكشف ، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف . ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه اللّه في كتابه الذي سماه « إحياء علوم الدين » وهو من أجلّ كتبه ، أو أجلّها : « فإن قلت : فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه ؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوّا وإسرافا في أطراف . فمن قائل : انه بدعة وحرام ، وان العبد أن يلقى اللّه بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام . ومن قائل : إنه فرض ، إما على الكفاية ، واما على الأعيان ، وانه أفضل الأعمال وأعلى القربات ، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال