ابن أبي العز الحنفي
201
شرح العقيدة الطحاوية
وجهه ، يرميهم بالتراب ، ويقول : « مهلا يا قوم ! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم ، وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا ، بل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » « 174 » . ولا شك أن اللّه قد حرم القول عليه بغير علم ، قال تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ الأعراف : 33 . وقال تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الاسراء : 36 . فعلى العبد أن يجعل ما بعث اللّه به رسله ، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه ، فيصدق بأنه حق وصدق ، وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه ، فإن وافقه فهو حق ، وإن خالفه فهو باطل ، وان لم يعلم : هل خالفه أو وافقه - يكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه ، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه - فإنه يمسك عنه ، ولا يتكلم إلا بعلم ، والعلم ما قام عليه الدليل ، والنافع منه ما جاء به الرسول ، وقد يكون علم من غير الرسول ، لكن في الأمور الدنيوية ، مثل الطب والحساب والفلاحة ، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية ، فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير . قوله : ( ولا تثبت قدم الاسلام الا على ظهر التسليم والاستسلام ) . ش : هذا من باب الاستعارة ، إذ القدم الحسي لا تثبت الا على ظهر شيء . أي لا يثبت اسلام من لم يسلّم لنصوص الوحيين ، وينقاد إليها ، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه . روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه اللّه أنه قال : من اللّه الرسالة ، ومن الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم . وهذا كلام جامع نافع . وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل ، وهو : أن العقل مع النقل كالعامي
--> ( 174 ) صحيح وأخرجه البغوي أيضا في شرح السنة رقم ( 121 ) طبع المكتب الاسلامي . ورجاله ثقات على خلاف معروف في عمرو بن شعيب .