ابن أبي العز الحنفي

197

شرح العقيدة الطحاوية

عباس رضي اللّه عنهما : أنه صلى اللّه عليه وسلّم رآه بعينه « 169 » ، وروى عطاء عنه : أنه رآه بقلبه . ثم ذكر أقوالا وفوائد ، ثم قال : وأما وجوبه لنبينا صلى اللّه عليه وسلّم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص ، والمعوّل فيه على آيتي النجم ، والتنازع فيهما مأثور ، والاحتمال لهما ممكن . وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه اللّه هو الحق ، فإن الرؤية في الدنيا ممكنة ، إذ لو لم تكن ممكنة ، لما سألها موسى عليه السلام ، لكن لم يرد نص بأنه صلى اللّه عليه وسلّم رأى ربه بعين رأسه ، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية ، وهو ما رواه مسلم في « صحيحه » عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم هل رأيت ربك ؟ فقال : « نور أنّى أراه » « 170 » . وفي رواية : « رأيت نورا » . وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه أنه قال : « قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بخمس كلمات ، فقال : إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور » ، ( وفي رواية : النار ) ، « لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » . « 171 » . فيكون - واللّه أعلم - معنى قوله لأبي ذر « رأيت نورا » : أنه رأى الحجاب ، ومعنى قوله « نور أنّى أراه » : النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته ، فأنّى أراه ؟ أي فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته ؟ فهذا صريح في نفي الرؤية . واللّه أعلم . وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك ، ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته « 172 » لربه تعالى ، وإن كانت رؤية الرب

--> ( 169 ) ضعيف ، اخرجه ابن خزيمة في التوحيد بألفاظ مضطربة عنه موقوفا . ( 170 ) صحيح أخرجه مسلم في آخر « كتاب الايمان » ويشهد له حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ : « يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إلى اللّه عز وجل » . رواه الدارقطني كما في « الدر » ( 6 / 191 ) ، وله شاهد مرسل ، رواه أبو سعيد الدارمي في « الرد على الجهمية » ( 57 ) طبع المكتب الاسلامي . ( 171 ) صحيح ، وقد مضى ( برقم 52 ) . ( 172 ) ما في المطبوعتين خطأ وصوابه ما أثبتناه من الأصل ويؤيده ما في « الرد على الجهمية » للدارمي ( ص 64 ) .