ابن أبي العز الحنفي

186

شرح العقيدة الطحاوية

شاعر ، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة ، وعرفوا معناه ، كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك . ولا شك أن من قال : إن كلام اللّه معنى واحد قائم بنفسه تعالى وأن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام اللّه وهو مخلوق - : فقد قال بخلق القرآن وهو لا يشعر ، فإن اللّه يقول : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ الاسراء : 88 . أفتراه سبحانه وتعالى يشير إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع ؟ ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع ، إذ ما في ذات اللّه غير مشار إليه ، ولا منزل ولا متلو ولا مسموع . وقوله : لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ - أفتراه سبحانه يقول : لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه ، وما في نفس اللّه عز وجل لا حيلة إلى الوصول إليه ، ولا إلى الوقوف عليه . فإن قالوا : انما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع ، فأما أن يشير إلى ذاته فلا - فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق ، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة ، فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه . وهذا تصريح بأن صفات اللّه محكية ، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام اللّه ، فأين عجزهم ؟ ! ويكون التالي - في زعمهم - قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف . وليس القرآن إلا سورا مسوّرة ، وآيات مسطّرة ، في صحف مطهرة . قال تعالى : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ هود : 13 . بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ العنكبوت : 49 . فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ عبس : 13 - 14 . ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات . قال صلى اللّه عليه وسلّم : « أما إني لا أقول ( آلم ) حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف » « 158 » . وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين . قال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه اللّه في « المنار » : إن القرآن اسم للنظم والمعنى . وكذا قال غيره من أهل الأصول . وما ينسب إلى أبي حنيفة رحمه

--> ( 158 ) صحيح ، اخرجه الترمذي وابن ماجة ، والآجري في « آداب حملة القرآن » بسند صحيح ، وهو مخرج في « المشكاة » أيضا ( 2137 ) .