ابن أبي العز الحنفي

148

شرح العقيدة الطحاوية

فتحيرت ، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفّهم عنه ، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به . قوله : ( يهدي من يشاء ، ويعصم ويعافي ، فضلا . ويضل من يشاء ، ويخذل ويبتلي ، عدلا ) . ش : هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على اللّه ، وهي مسألة الهدى والضلال . قالت المعتزلة : الهدى من اللّه : بيان طريق الصواب ، والاضلال : تسمية العبد ضالا ، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه . وهذا مبني على أصلهم الفاسد : أن أفعال العباد مخلوقة لهم . والدليل على ما قلناه قوله تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ القصص : 56 . ولو كان الهدى بيان الطريق - لما صح هذا النفي عن نبيه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلّم بين الطريق لمن أحب وأبغض . وقوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها السجدة : 13 . يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ المدثر : 31 . ولو كان الهدى من اللّه البيان ، وهو عام في كل نفس - لما صح التقييد بالمشيئة . وكذلك قوله تعالى : وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ الصافات : 57 . وقوله ؛ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الانعام : 39 . قوله : ( وكلهم يتقلبون في مشيئته ، بين فضله وعدله ) . ش : فإنهم كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ التغابن : 2 . فمن هداه إلى الايمان فبفضله ، وله الحمد ، ومن أضله فبعدله ، وله الحمد . وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح ، ان شاء اللّه تعالى ، فان الشيخ رحمه اللّه لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد ، بل فرقه ، فأتيت به على ترتيبه . قوله : ( وهو متعال عن الاضداد والأنداد ) . ش : الضد : المخالف ، والنّد : المثل . فهو سبحانه لا معارض له ، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا مثل له ، كما قال تعالى : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ الاخلاص : 4 . ويشير الشيخ رحمه اللّه - بنفي الضد والند - إلى الرد على المعتزلة ، في زعمهم أن العبد يخلق فعله .