ابن أبي العز الحنفي

137

شرح العقيدة الطحاوية

فلا يقدر عليها عندهم ، وتنازعوا : هل يقدر على مثلها أم لا ؟ ! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال : هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها . فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء . وأما أهل السنة ، فعندهم أن اللّه على كل شيء قدير ، وكل ممكن فهو مندرج في هذا . وأما المحال لذاته ، مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة ، فهذا لا حقيقة له ، ولا يتصور وجوده ، ولا يسمى شيئا ، باتفاق العقلاء . ومن هذا الباب : خلق مثل نفسه ، واعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال . وهذا الأصل هو الايمان بربوبيته العامة التامة ، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء الا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء ، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها الا من آمن بأنه على كل شيء قدير . وانما تنازعوا في المعدوم الممكن : هل هو شيء أم لا ؟ والتحقيق : أن المعدوم ليس بشيء في الخارج ، ولكن اللّه يعلم ما يكون قبل أن يكون ، ويكتبه ، وقد يذكره ويخبر به ، كقوله تعالى : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الحج : 1 ، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب ، لا في الخارج ، كما قال تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس : 82 ، قال تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً مريم : 9 ، أي : لم تكن شيئا في الخارج وان كان شيئا في علمه تعالى . وقال تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً الدهر : 1 . وقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، رد على المشبهة . وقوله تعالى : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الشورى : 11 ، رد على المعطّلة ، فهو سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال ، وليس له فيها شبيه . فالمخلوق وان كان يوصف بأنه سميع بصير - فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره ، ولا يلزم من اثبات الصفة تشبيه ، إذ صفات المخلوق كما يليق به ، وصفات الخالق كما يليق به . ولا تنف « 82 » . « عن اللّه ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب

--> ( 82 ) في المطبوعة : تنفي .