ابن أبي العز الحنفي

135

شرح العقيدة الطحاوية

« جئناك لنسألك عن أول هذا الامر » ، وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود ، والامر هنا بمعنى المأمور ، أي الذي كوّنه اللّه بأمره . وقد أجابهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن بدء . هذا العالم الموجود ، لا عن جنس المخلوقات ، لأنهم لم يسألوه عنه ، وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على الماء ، ولم يخبرهم عن خلق العرش ، وهو مخلوق قبل خلق السماوات والأرض . وأيضا فإنه قال : « كان اللّه ولم يكن شيء قبله » ، وقد روي « معه » ، وروي « غيره » ، والمجلس كان واحدا ، فعلم أنه قال أحد الالفاظ والآخران رؤيا بالمعنى ، ولفظ « القبل » ثبت عنه في غير هذا الحديث . ففي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : أنه كان يقول في دعائه : « اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء » « 81 » ، الحديث . واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر ، ولهذا كان كثير من أهل الحديث انما يرويه بلفظ القبل ، كالحميدي والبغوي وابن الأثير . وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث ، ولا لأول مخلوق . وأيضا : فإنه يقال : « كان اللّه ولم يكن شيء قبله » أو « معه » أو « غيره » ، « وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء » . فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو ، و « خلق السماوات والأرض » روي بالواو وبثم ، فظهر أن مقصوده اخباره إياهم ببدء خلق السماوات والأرض وما بينهما ، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام ، لا ابتداء خلق ما خلقه اللّه قبل ذلك ، وذكر السماوات والأرض بما يدل على خلقهما ، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده ، ولم يتعرض لابتداء خلقه له . وأيضا : فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا ، فلا يجزم بأحدهما الا بدليل ، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ قطعا ، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر ، فلا يجوز اثباته بما يظن أنه معنى الحديث ، ولم يرد « كان اللّه ولا شيء معه » مجردا ، وانما ورد على السياق المذكور ، فلا يظن أن معناه الاخبار بتعطيل الرب تعالى دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض . وأيضا : فقوله صلى اللّه عليه وسلّم « كان اللّه ولا شيء قبله ، أو معه ، أو غيره ، وكان عرشه على

--> ( 81 ) صحيح ، وتقدم ( برقم 46 ) .