الحلبي
89
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
سجدت حتى الفيل الأعظم . وقيل إن أبرهة لم يخرج إلا بالفيل الأعظم ، ولما بلغ أبرهة سجود الفيلة لعبد المطلب تطير ثم أمر بإدخال عبد المطلب عليه ، فلما رآه ألقيت له الهيبة في قلبه ، فنزل عن سريرة تعظيما لعبد المطلب . ثم رأيت العلامة ابن حجر في شرح الهمزية حاول الجواب عن هذا الذي تقدم عن الحافظ النيسابوري ، من أن النور استدار في وجه عبد المطلب إلى آخره : أي وقول الفيل : السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب مع أن ولادته صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الوقت ، يلزمها أن يكون النور انتقل من عبد المطلب إلى عبد اللّه ، ثم انتقل من عبد اللّه إلى آمنة ، بأن النور وإن انتقل من عبد المطلب ، لكن اللّه سبحانه وتعالى أكرم عبد المطلب فأحدث ذلك النور في ظهره ، وفي وجهه وأطلع الفيل عليه هذا كلامه فليتأمل . وذكر بعضهم أن الفيل مع عظم خلقته صوته ضئيل أي ضعيف ، ويفرق أي يخاف من السنور الذي هو القط ويفزع منه . وفي المواهب : والمشهور أنه صلى اللّه عليه وسلم ولد بعد الفيل ، لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته ومقدمة لظهوره وبعثته ، هذا كلامه . وفيه أنه قد يقال الإرهاصات إنما تكون بعد وجوده وقبل مبعثه الذي هو دعواه الرسالة ، لا قبل وجوده بالكلية الذي هو المراد بظهوره . وحينئذ فقول القاضي البيضاوي : إنها من الإرهاصات ، إذ روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي بعد وجوده . ومن ثم قال ابن القيم في الهدى : إن مما جرت به عادة اللّه تعالى أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون كالمدخل لها ، فمن ذلك قصة مبعثه صلى اللّه عليه وسلم تقدمها قصة الفيل ، هذا كلامه . قال : فلما شرع أبرهة في الذهاب إلى مكة وصل الفيل إلى أول الحرم ، والمواهب أسقط هذا ، وهو يوهم أنهم دخلوا مكة ، وأن الفيل برك دون البيت فليتأمل ، وعند وصوله إلى أول الحرم برك ، فصاروا يضربون رأسه ويدخلون الكلاليب في مراق بطنه فلا يقوم ، فوجهوا وجهه إلى جهة اليمين ، فقام يهرول ، وكذا إلى جهة الشام فعل ذلك مرارا فأمر أبرهة أن يسقى الفيل الخمر ليذهب تمييزه فسقوه فثبت على أمره . ويقال إنما برك لأن نفيل بن حبيب الخثعمي قام إلى جنب الفيل فعرك أذنه وقال : ابرك محمودا وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد اللّه الحرام ، ثم أرسل أذنه فبرك . قال السهيلي رحمه اللّه : الفيل لا يبرك ، فيحتمل أن يكون بروكه سقوطه على الأرض لما جاءه من أمر اللّه سبحانه . ويحتمل أن يكون فعل البرك وهو الذي يلزم موضعه ولا يبرح فعبر بالبروك عن ذلك .