الحلبي

68

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وقيل الذي دعا عبد المطلب لاختيار آمنة من بني زهرة لولده عبد اللّه أن سودة بنت زهرة الكاهنة وهي عمة وهب والد آمنة أمه صلى اللّه عليه وسلم كان من أمرها أنها لما ولدت رآها أبوها زرقاء شيماء أي سوداء وكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة ، أي يدفنونها حية ، ويمسكون من لم يكن على هذه الصفة مع ذل وكآبة : أي لأنه سيأتي أن الجاهلية كانوا يدفنون البنات وهنّ أحياء خصوصا كندة قبيلة من العرب خوف العار أو خوف الفقر والإملاق . وكان عمرو بن نفيل يحيي المؤودة لأجل الإملاق يقول للرجل إذا أراد أن يفعل ذلك لا تفعل أنا أكفيك مؤونتها ، فيأخذها ، فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤونتها . وكان صعصعة جد الفرزدق يفعل مثل ذلك فأمر أبوها بوأدها وأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك ، فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول : لا تئد الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا ، فعاد لدفنها فسمع الهاتف يسجع بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها وأخبره بما سمع ، فقال : إن لها لشأنا وتركها ، فكانت كاهنة قريش فقالت يوما لبني زهرة : فيكم نذيرة أو تلد نذيرا ، فاعرضوا عليّ بناتكنّ فعرضن عليها ، فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب ، فقالت : هذه النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منيرا : أي فاختيار عبد المطلب لآمنة من بني زهرة عبد اللّه واضح من سياق قصة هذه الكاهنة . وأما اختياره لتزوجه بعض نساء بني زهرة ، فسببه ما تقدم عن الحبر ، بناء على أن أم عبد اللّه كانت من بني زهرة . وأما جعل الشمس الشامي ما تقدم عن الحبر سببا لتزويج عبد المطلب ابنه عبد اللّه امرأة من بني زهرة ففيه نظر ظاهر ، إذ كيف يتأتى ذلك مع قوله إذا تزوجت فتزوج منهم بعد قوله : ألك شاعة ، أي زوجة . ثم رأيت ابن دحية رحمه اللّه تعالى ذكر في التنوير عن البرقي : أن سبب تزويج عبد اللّه آمنة أن عبد المطلب كان يأتي اليمن ، وكان ينزل فيها على عظيم من عظمائهم فنزل عنده مرة فإذا عنده رجل ممن قرأ الكتب ، فقال له ائذن لي أن أفتش منخرك ، فقال دونك فانظر ، فقال : أرى نبوّة وملكا ، وأراهما في المنافين عبد مناف بن قصي وعبد مناف بن زهرة ، فلما انصرف عبد المطلب انطلق بابنه عبد اللّه فتزوج عبد المطلب هالة بنت وهيب فولدت له حمزة ، وزوج ابنه عبد اللّه آمنة فولدت له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا واضح لأنه أسقط قول الحبر لعبد المطلب هل لك من شاعة إلى آخره ، فاحتاط عبد المطلب فتزوج من بني زهرة وزوّج ولده عبد اللّه منهم ، وحينئذ كان المناسب للبرقي رحمة اللّه تعالى أن يزيد بعد قوله إن سبب تزويج عبد اللّه آمنة قوله وتزوج عبد المطلب هالة .