الحلبي
574
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ونقل عن الدارمي الحافظ أنه نقل اجماع الصحابة على ذلك ونظر فيه . وذهب إلى الرؤية : أي المذكورة أكثر الصحابة وكثير من المحدثين والمتكلمين ، بل حكى بعض الحفاظ على وقوع الرؤية له بعين رأسه الإجماع ، وإلى ذلك يشير صاحب الأصل بقوله : ورآه وما رآه سواه * رؤية العين يقظة لا المرائي واحتجت عائشة رضي اللّه تعالى عنها على منع الرؤية بقوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : الآية 103 ] قال : وروي أن مسروقا قال لها : ألم يقل اللّه عز وجل وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) [ النّجم : الآية 13 ] أي مرة أخرى ، أي بناء على أن الضمير المستتر له صلى اللّه عليه وسلم والبارز له سبحانه وتعالى ؛ فقالت : أنا أوّل هذه الأمة سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ فقال : إنما رأيت جبريل منهبطا : أي فالضمير البارز إنما هو لجبريل . وفي رواية قال لها : « ذاك جبريل ، لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين : أي مرة في الأرض ومرة في السماء » في هذه الليلة كما تقدم ، وعلى ظاهر الآية : أي من جعل الضمير المستتر له صلى اللّه عليه وسلم والبارز له سبحانه وتعالى ، وقطع النظر عن هذه الرواية التي جاءت عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها يلزم أن يكون صلى اللّه عليه وسلم رأى الحق سبحانه وتعالى ليلة المعراج مرتين : مرة في قاب قوسين ، ومرة عند سدرة المنتهى ، ولا مانع من ذلك ، ولعل ذلك هو المعنيّ بقول الخصائص الصغرى : وخص صلى اللّه عليه وسلم برؤيته للباري عز وجل مرتين ، وفيها : وجمع له بين الكلام والرؤية ، وكلمه عند سدرة المنتهى ، وكلم موسى بالجبل . قال بعضهم : يجوز أنه صلى اللّه عليه وسلم خاطب عائشة رضي اللّه تعالى عنها بما ذكر أي بقوله : إنما رأيت جبريل إلى آخره على قدر عقلها أي في ذلك الوقت انتهى ، وأيد قولها بما روي عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه « قلت : يا رسول اللّه هل رأيت ربك ؟ قال : رأيت نورا » أي حجبني ومنعني عن رؤيته عز وجل ، ومن ثم جاء في رواية « نور أني أراه ؟ » أي كيف أراه مع وجود النور ، لأن النور إذا غشي البصر حجبه عن رؤية ما وراءه ، أي وليس المراد أنه سبحانه وتعالى هو النور المرئي له خلافا لمن فهم ذلك ، وأيده بما روي « نوراني » أي لأن هذه الرواية كما قيل تصحيف ، ومن ثم قال القاضي عياض : لم أرها في أصل من الأصول ، ومحال أن تكون ذاته تعالى نورا لأن النور من جملة الأعراض : أي لأنه كيفية تدركها الباصرة أولا وبواسطة تلك الكيفية تدرك سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الاجرام الكثيفة المحاذية لهما ، واللّه تعالى يتعالى عن ذلك ، أي فحجابه تعالى النور كما رواه مسلم : أي ومن ثم قيل في قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : الآية 35 ] أي ذو نور ، أو هو على المبالغة : أي وجاء « رأيته في صورة شاب أمرد عليه حلة خضراء دونه ستر من لؤلؤ » وجاء « رأيت ربي في أحسن صورة » قال الكمال بن الهمام : إن