الحلبي

562

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قال « ويخرج من أصل تلك الشجرة أربعة أنهار : نهران باطنان » أي يبطنان ويغيبان في الجنة بعد خروجهما من أصل تلك الشجرة « ونهران ظاهران » أي يستمران ظاهرين بعد خروجهما من أصل تلك الشجرة فيجاوزان الجنة « فقال : ما هذه ، أي الأنهار يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان ففي الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات » انتهى . أقول : قول جبريل أما الباطنان ففي الجنة لا يحسن أن يكون جوابا عن هذا السؤال : أي الذي هو سؤال عن بيان الحقيقة ويحصل بذكر اسمها ، فكان المناسب بحسب الظاهر أن يقول وأما الباطنان فنهر كذا ونهر كذا ، وهذا السياق يدل على أن النيل والفرات يمران في الجنة ويجاوزانها ، وأن ما عداهما كسيحان وجيحان بناء على أنهما ينبعان من أصل شجرة المنتهى يغيبان فيها ولا يجاوزانها ، والنيل نهر مصر ، والفرات نهر الكوفة . ويحتمل أن النهرين اللذين هما ما عدا النيل والفرات بناء على أنهما سيحان وجيحان ، يبطنان في الجنة ولا يظهران إلا بعد خروجهما منها لوجودهما في الخارج ، بخلاف النيل والفرات فإنهما يستمران ظاهرين فيها إلى أن يخرجا منها . وقد جاء في حديث « ما من يوم إلا وينزل ماء من الجنة في الفرات » قال بعضهم : ومصداقه أن الفرات مد في بعض السنين فوجد فيه رمان كل واحدة مثل البعير ، فيقال إنه رمان الجنة . وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الأحاديث الواهية . وفي حديث موقوف على ابن عباس « إذا حان خروج يأجوج ومأجوج أرسل اللّه تعالى جبريل ، فرفع من الأرض هذه الأنهار والقرآن والعلم ، والحجر والمقام ، وتابوت موسى بما فيه إلى السماء » . هذا ، وفي بعض الروايات ما يدل على أن سيحان وجيحان لا ينبعان من أصل شجرة المنتهى ، فليسا هما المراد بالباطنين . وعن مقاتل : الباطنان السلسبيل والكوثر ، أي ومعنى كونهما باطنين أنهما لم يخرجا من الجنة أصلا . ومعنى كون النيل والفرات ظاهرين أنهما يخرجان منها . وفي « السيرة الشامية » : لم يثبت في سيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل شجرة المنتهى فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك . وأما الباطان المذكوران : أي في الحديث فهما غير سيحان وجيحان . قال القرطبي : ولعل ترك ذكرهما : أي سيحان وجيحان في حديث الإسراء كونهما ليسا أصلا برأسهما ، وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات ، هذا كلامه ، ولعل المراد أنهما يتفرعان عنهما بعد خروجهما من الجنة ، فهما لم يخرجا من أصل السدرة ولا يبطنان في الجنة أصلا .