الحلبي
535
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
طالب : أنت الصديق الأكبر وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل » . وفي رواية « أن كفار قريش لما أخبرهم صلى اللّه عليه وسلم بالإسراء إلى بيت المقدس ووصفه لهم ، قالوا له ما آية ذلك يا محمد » أي ما العلامة الدالة على هذا الذي أخبرت به « فإنا لم نسمع بمثل هذا قط » أي : هل رأيت في مسراك وطريقك ما نستدل بوجوده على صدقك أي لأن وصفك لبيت المقدس يحتمل أن تكون حفظته عمن ذهب إليه ، قال صلى اللّه عليه وسلم « آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا فأنفرهم » أي أنفر عيرهم حس الدابة ، يعني البراق « فندّ لهم بعير » أي شرد « فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام ، ثم أقبلت حتى إذا كنت بمحل كذا مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه ، وشربت ما فيه ، ثم غطيت عليه كما كان » أي وفي كلام بعضهم « فعثرت الدابة يعني البراق : فقلب بحافره القدح الذي فيه الماء الذي كان يتوضأ به صاحبه في القافلة » وشرب الماء الذي للغير جائز لأنه كان عند العرب كاللبن . مما يباح لكل مجتاز من أبناء السبيل ، على أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم أن له أن يأخذ ما يحتاج إليه من مالكه المحتاج إليه ، ويجب على مالكه حينئذ بذله . وأما الجواب عن ذلك بأنه مال حربي غير صحيح ، لأن هذا كان قبل مشروعية الجهاد ، ومع عدم مشروعيته لا يحل مال أهل الحرب كما لا يحل قتالهم ، لأن الواجب حينئذ مسالمتهم ولا تتم إلا بترك التعرض لأموالهم كنفوسهم ، قاله ابن حجر في شرح الهمزية : لكن في قطعة التفسير للجلال المحلي في تفسير قوله تعالى فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها [ القصص : الآية 13 ] أن أمة أرضعته بأجرة وساغ لها أخذها ، لأنها مال حربي : أي من مال فرعون ، إلا أن يقال ذاك : أي أخذ مال الكافر كان جائزا في شريعتهم ، قال صلى اللّه عليه وسلم « وآية ذلك » أي علامته المصدقة لما أخبر به صلى اللّه عليه وسلم « أن عيرهم الآن تصوب من الثنية يقدمها جمل أورق » وهو ما بياضه إلى سواد وهو أطيب الإبل لحما عند العرب ، وأخسها عملا عندهم : أي ليس بمحمود عندهم ، في عمله وسيره « عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء » أي فيها بياض وسواد ، كما تقدم ، فابتدر القوم الثنية فأوّل ما لقيهم الجمل الأورق عليه الغرارتان فسألوهم عن الإناء ، وعن نفار العير ، وعن ندّ البعير ، وعن الشخص الذي دلهم عليه فصدقوا قوله . أقول : قد علم أن البعير التي نفرت وندّ منها البعير ودلهم عليه مرّ عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ذاهب إلى الشام ، والعير كان بها الإناء الذي شربه صلى اللّه عليه وسلم مر عليها وهو راجع إلى مكة ، وهي التي صوبت من الثنية ، وحينئذ لا يحسن سؤال أهلها عما وقع لأهل تلك العير تصديقهم له صلى اللّه عليه وسلم فيما أخبر ، إلا أن يقال : يجوز أن تكون هذه العير التي مر عليها صلى اللّه عليه وسلم في العود اجتمعت في عودها بتلك العير الذاهبة إلى الشام ، وأخبروهم بما ذكر ، واللّه تعالى أعلم .