الحلبي

516

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وعن أم هانئ رضي اللّه تعالى عنها قالت « ما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة ، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا ، فلم كان قبل الفجر أهبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي أقامنا من نومنا » ومن ثم جاء في رواية : « نبهنا ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال : يا أم هانئ لقد صليت معك العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين » الحديث . والمراد أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى صلاته التي كان يصليها وهي الركعتان في الوقتين المذكورين ، وإلا فصلاة العشاء وصلاة الصبح التي هي صلاة الغداة لم يكونا فرضا ، وفي قولها « وصلينا معه » نظر لما تقدم ، ويأتي أنها لم تسلم إلا يوم الفتح ، ثم رأيت في مزيل الخفاء : وأما قولها يعني أم هانئ وصلينا فأرادت به وهيأنا له ما يحتاج إليه في الصلاة كذا أجاب . وأقرب منه أنها تكلمت على لسان غيرها ، أو أنها لم تظهر إسلامها إلا يوم الفتح فليتأمل ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « إن جبريل أتاني » وفي رواية « أسرى به من شعب أبي طالب » قال الحافظ ابن حجر : والجمع بين هذه الروايات « أنه صلى اللّه عليه وسلم نام في بيت أم هانئ وبيتها عند شعب أبي طالب ، ففرج عن سقف بيته الذي هو بيت أم هانئ لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان نائما به فنزل الملك وأخرجه إلى المسجد وكان به أثر النعاس : أي فاضطجع فيه عند الحجر » فيصح قوله صلى اللّه عليه وسلم : نمت الليلة في المسجد الحرام إلى آخره . وفي رواية « أنه صلى اللّه عليه وسلم أتاه جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر ، أي وهو مضطجع في المسجد في الحجر بين عمه حمزة وابن عمه جعفر رضي اللّه تعالى عنهما ، فقال أحدهم : خذوا سيد القوم الأوسط بين الرجلين ، فاحتملوه حتى جاءوا به زمزم ، فاستلقوه على ظهره ، فتولاه منهم جبريل ، فشق من ثغرة نحره » وهو الموضع المنخفض بين الترقوتين « إلى أسفل بطنه » أي وفي رواية « إلى مراق بطنه » وفي رواية « إلى شعرته » أي أشار إلى ذلك ؟ فانشق فلم يكن الشق في المرات كلها بآلة ، ولم يسل منه دم ، ولم يجد لذلك ألما كما تقدم التصريح به في بعض الروايات ، لأنه من خرق العادات وظهور المعجزات « ثم قال جبريل ، لميكائيل : ائتني بطشت من ماء زمزم كيما أطهر قلبه ، وأشرح صدره ، فاستخرج قلبه : أي فشقه ، فغسله ثلاث مرات ، ونزع ما كان فيه من أذى » وهذا الأذى يحتمل أن يكون من بقايا تلك العلقة السوداء التي نزعت منه صلى اللّه عليه وسلم وهو مسترضع في بني سعد بناء على تجزئتها كما تقدم في المرة الثانية ، وهو ابن عشر سنين والثالث عند البعث ، فلا يخالف أن العلقة السوداء نزعت منه صلى اللّه عليه وسلم في المرة الأولى وهو مسترضع في بني سعد ، ويستحيل تكرار