الحلبي
51
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بقرة نحرت بالحزورة بوزن قسورة فانفلتت ودخلت المسجد في موضع زمزم فوقعت مكانها ، فاحتمل لحمها ، فأقبل غراب أعصم فوقع في الفرث فليتأمل الجمع . وقد يقال : لا منافاة ، لأن قوله في الرواية الأولى : فندت بقرة من ذابحها : أي ممن شرع في ذبحها ولم يتمه حتى دخلت المسجد فنحرها : أي تمم ذبحها ، فقد نحرت بالحزورة وبالمسجد أو يراد بنحرها في الحزورة ذبحها ، وبنحرها في المسجد سلخها وتقطيع لحمها فقد رأينا الحيوان بعد ذبحه يذهب إلى موضع آخر ثم يقع به ، وعند ذلك جاء عبد المطلب بالمعول وقام ليحفر ، فقامت إليه قريش ، فقالوا له : واللّه لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لولده الحارث ذد عني : أي امنع عني حتى أحفر ، فو اللّه لأمضين لما أمرت به ، فلما رأوه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه ، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي : أي البناء ، فكبر وقال هذا طي إسماعيل عليه السلام : أي بناؤه ، فعرفت قريش أنه أصاب حاجته ، فقاموا إليه وقالوا واللّه يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك ، فقال : ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم ، فقالوا نخاصمك فيها ، فقال : اجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه ، قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالي الشام : أي ولعلها التي لما حضرتها الوفاة طلبت شقا وسطيحا وتفلت في فمهما ، وذكرت أن سطيحا يخلفها في كهانتها ثم ماتت في يومها ذلك ، وسطيح ستأتي ترجمته . وأما شق فقيل له ذلك ، لأنه كان شق إنسان يدا واحدة ، ورجلا واحدة ، وعينا واحدة ، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر ، وكان إذ ذاك ما بين الحجاز والشام مفازات لا ماء بها ، فلما كان عبد المطلب ببعض تلك المفاوز فني ماؤه وماء أصحابه ، فظمؤوا ظمأ شديدا حتى أيقنوا بالهلكة ، فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم ، فقال عبد المطلب لأصحابه ما ترون ؟ قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فقال : إني أرى أن يحفر كل أحد منكم حفيرة يكون فيها إلى أن يموت فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد : أي يترك بلا مواراة أيسر من ضيعة ركب جميعا ، فقالوا : نعم ما أمرت به فحفر كل حفيرة لنفسه ثم قعدوا ينتظرون الموت ، ثم قال عبد المطلب لأصحابه : واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا إلى الموت لعجز ، فلنضرب في الأرض فعسى اللّه أن يرزقنا ، فانطلقوا ، كل ذلك وقومهم ينظرون إليهم ما هم فاعلون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها ، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وملأوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل فقال : هلموا إلى الماء فقد