الحلبي

49

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

السلام ، وكانت جرهم قد دفنتها : أي فإن جرهما لما استخفت بأمر البيت الحرام ، وارتكبوا الأمور العظام ، قام فيهم رئيسهم مضاض بكسر الميم وحكى ضمها ، ابن عمرو خطيبا : ووعظهم فلم يرعووا فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال : أي السيوف والدروع على ما سيأتي التي كانت تهدى إلى الكعبة ودفنها في بئر زمزم . وفي مرآة الزمان أن هاتين الغزالتين أهداهما للكعبة وكذا السيوف ساسان أول ملوك الفرس الثانية . ورد بأن الفرس لم يحكموا على البيت ولا حجوه هذا كلامه . وفيه أن هذا لا ينافي ذلك ، فليتأمل . وكانت بئر زمزم نضب ماؤها : أي ذهب فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك : أي ودفن الحجر الأسود أيضا كما قيل ، وطم البئر ، واعتزل قومه فسلط اللّه تعالى عليهم خزاعة ، فأخرجتهم من الحرم ، وتفرقوا وهلكوا كما تقدم ، ثم لا زالت زمزم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة ومدة قصي ، ومن بعده إلى زمن عبد المطلب . ورؤياه التي أمر فيها بحفرها . قيل وتلك المدة خمسمائة سنة : أي وكان قصي احتفر بئرا في الدار التي سكنتها أم هانئ أخت علي رضي اللّه تعالى عنهما ، وهي أول سقاية احتفرت بمكة . فعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : قال عبد المطلب : إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة ، فقلت : وما طيبة ؟ فذهب وتركني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال احفر برة ، فقلت : وما برة فذهب وتركني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني وقال احفر المضنونة ، فقلت : وما المضنونة ؟ فذهب وتركني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال احفر زمزم ، فقلت : وما زمزم ؟ قال : لا تنزف ، ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم ، عند قرية النمل . وقوله لا تنزف : أي لا يفرغ ماؤها ، ولا يلحق قعرها . وفيه أنه ذكر أنه وقع فيها عبد حبشي فمات بها وانتفخ فنزحت من أجله ، ووجدوا قعرها فوجدوا ماؤها يفور من ثلاثة أعين ، أقواها وأكثرها التي من ناحية الحجر الأسود . وقوله ولا تذم بالذال المعجمة : أي لا توجد قليلة الماء ، من قولهم : بئر ذمة أي قليلة الماء قيل وليس المراد أنه لا يذمها أحد ، لأن خالد بن عبد اللّه القسري أمير العراق من جهة الوليد بن عبد الملك ذمها وسماها أم جعلان ، واحتفر بئرا خارج مكة باسم الوليد بن عبد الملك ، وجعل يفضلها على زمزم ويحمل الناس على التبرك بها . وفيه أن هذا جرأة منه على اللّه تعالى وقلة حياء منه ، وهو الذي كان يعلن