الحلبي
464
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يقوله إلا مسلم مع كفره ، ومن ثم قال صلى اللّه عليه وسلم فيه « آمن شعره وكفر قلبه » وفي رواية « كاد يسلم » . وذكر محيي الدين ابن العربي في قوله صلى اللّه عليه وسلم « أصدق بيت قالته العرب » وفي رواية « أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » اعلم أن الموجودات كلها وإن وصفت بالباطل فهي حق من حيث الوجود ، ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه يرى ما سوى اللّه تعالى باطلا من حيث إنه ليس له وجود من ذاته ، فحكمه حكم العدم ، وهذا معنى قول بعضهم قوله باطل : أي كالباطل ، لأن العالم قائم باللّه تعالى لا بنفسه ، فهو من هذا الوجه باطل ، والعارف إذا وصل إلى مقامات القرب في بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الحق ، لا أنها زالت من الوجود بالكلية ، ثم إذا كمل عرفانه يشهد الحق تعالى والخلق معا في آن واحد ، وما كل أحد يصل إلى هذا المقام ، فإن غالب الناس إن شهد الحق لم يشهد الخلق ، وإن شهد الخلق لم يشهد الحق كما تقدم عند الكلام على الوحدة أنه لا يدركها إلا من أدرك اجتماع الضدين ، ولعل من المشهد الأول قول الأستاذ الشيخ أبي الحسن البكري رضي اللّه تعالى عنه : أستغفر اللّه مما سوى اللّه ، لأن الباطل يستغفر من إثبات وجوده لذاته . ويوافق قول أكثر أهل الأخبار : قول السهيلي : وأسلم لبيد وحسن إسلامه ، وعاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها بيت شعر ، فسأله عمر رضي اللّه تعالى عنه : أي في خلافته عن تركه للشعر ، فقال : ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني اللّه تعالى البقرة وآل عمران ، فزاده عمر في عطائه خمسمائة من أجل هذا القول ، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة . وقيل إنه قال بيتا واحدا في الإسلام وهو : الحمد للّه الذي لم يأتني أجلي * حتى اكتسيت من الإسلام سربالا قال : وممن دخل بجوار أبو سلمة بن عبد الأسد ابن عمته صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه دخل في جوار خاله أبي طالب . ولما أجاره مشى إليه رجال من بني مخزوم . فقالوا : يا أبا طالب منعت منا ابن أختك فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ فقال : إنه استجار بي وهو ابن أختي ، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي . فقام أبو لهب على أولئك الرجال ، وقال لهم : يا معشر قريش لا تزالون تعارضون هذا الشيخ في جواره من قومه ، واللّه لتنتهن أو لأقومنّ معه في كل مقام يقوم فيه حتى يبلغ ما أراد ، قالوا : بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة : أي لأنه كان لهم وليا وناصرا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انتهى : أي وطمع أبو طالب في أبي لهب حيث سمعه يقول ما ذكر ، ورجا أن يقوم معه في شأنه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنشد أبياتا يحرضه فيها على نصرته صلى اللّه عليه وسلم .