الحلبي
451
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أكفيكهم ، فلما مر الوليد بن المغيرة قال له : يا محمد كيف تجد هذا ؟ فقال : بئس عبد اللّه ، فأومأ إلى ساق الوليد وقال كفيته ، ومرّ العاص بن وائل ، فقال : كيف تجد هذا يا محمد ؟ قال عبد سوء ، فأشار إلى أخمصه وقال كفيته ، ثم مرّ الأسود بن المطلب فقال كيف تجد هذا يا محمد ؟ قال : عبد سوء ، فأومأ إلى عينه ، وقال كفيته ، ثم مر الأسود بن عبد يغوث فقال : كيف تجد هذا يا محمد ؟ قال عبد سوء ، فأومأ إلى رأسه وقال كفيته ، ثم مر الحارث بن عيطلة فقال : كيف تجد هذا يا محمد ؟ قال : عبد سوء ، فأومأ إلى بطنه وقال كفيته » وحينئذ يكون معنى كفاية هذا له صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يسع ولم يتكلف في تحصيل ذلك ، وإلى هذا أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله : وجبريل لما استهزأت فرقة الردى * أشار إلى كل بأقبح ميتة واللّه أعلم . قال : وروى الزهري « أن الأسود بن عبد يغوث خرج من عند أهله فأصابته السموم فاسودّ وجهه ، فأتى أهله فلم يعرفوه وأقفلوا دونه الباب ، وسلط عليه العطش فلا زال يشرب الماء حتى انشق بطنه » وهذا يناسب ما سيأتي عن الهمزية ، ولا يناسب أن جبريل عليه الصلاة والسلام أشار إلى رأسه ، وفي كلام البلاذري عن عكرمة « أن جبريل أخذ بعنق الأسود بن عبد يغوث فحنى ظهره حتى احقوقف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : خالي خالي » أي لأنه كما تقدم ابن خاله ، فهو إما على حذف المضاف ، أو لأجل مراعاة أبيه : أي يراعى لأجل أبيه الذي هو خالي « فقال جبريل : يا محمد دعه » وفي رواية « قال له جبريل : خلّ عنك ، ثم حثاه حتى قتله » وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه . والمناسب لذلك ما ذكره بعضهم أنه امتخض رأسه قيحا ، ثم لم يزل يضرب برأسه أصل شجرة حتى مات ، وكذا الحارث بن عيطلة : أي وفي كلام القاضي وحارث بن قيس . وفي تكملة الجلال السيوطي عدي بن قيس ، فقد أكل حوتا مملحا فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدّ بطنه ، وهذا المناسب لما ذكر هنا أن جبريل أشار إلى بطنه ، لكن لا يناسب ما قاله القاضي البيضاوي أنه أشار إلى أنفه فامتخض قيحا . وأما الأسود بن المطلب فقد عمي بصره . فقد ذكر « أنه خرج ليستقبل ولده ، وقد قدم من الشام ، فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة ، فجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها حتى عمي ، فجعل يستغيث بغلامه ، فقال له غلامه : لا أحد يصنع بك شيئا : أي وقيل ضربه بغصن فيه شوك ، فسالت حدقتاه ،