الحلبي
45
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
« حتى ولدته أمه » أي وهذا كما لا يخفى لا ينافي وقوع من ليس نبيا في آبائه ، فالمراد وقوع الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم في نسبه عليه الصلاة والسلام كما علمت ، ضرورة أن آباءه كلهم ليسوا أنبياء ، لكن قال غيره : لا زال نوره صلى اللّه عليه وسلم ينقل من ساجد إلى ساجد . قال أبو حيان : واستدل بذلك ، أي بما ذكر من الآية المذكورة : أي المفسرة بما ذكر الرافضة على أن آباء النبي صلى اللّه عليه وسلم كانوا مؤمنين : أي لأن الساجد لا يكون إلا مؤمنا ، فقد عبر عن الإيمان بالسجود ، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك ، وهو استدلال ظاهري ، وإلا فالآية قيل معناها وتصفحك أحوال المتهجدين من أصحابك لأنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه وعليهم بناء على أنه كان واجبا عليه وعلى أمته وهو الأصح . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه كان واجبا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله صلى اللّه عليه وسلم « طاف صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر حالهم » أي هل تركوا قيام الليل لكونه نسخ وجوبه بالصلوات الخمس ليلة المعراج حرصا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت الزنابير : أي لأن اللّه عز وجل افترض عليه صلى اللّه عليه وسلم : أي وعلى أمته قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر في أول سورة المزمل ، ثم نسخ ذلك في آخر السورة بما تيسر : أي وكان نزول ذلك بعد سنة ، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ليلة المعراج كما سيأتي . وجعل بعضهم ذلك من نسخ الناسخ فيصير منسوخات ، لما علمت أن آخر هذه السورة ناسخ لأولها ومنسوخ بفرض الصلوات الخمس . واعترض بأن الأخبار دالة على أن قوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمّل : الآية 20 ] إنما نزل بالمدينة يدل على ذلك قوله تعالى : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ المزمّل : الآية 20 ] لأن القتال في سبيل اللّه إنما كان بالمدينة ، فقوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ [ المزمّل : الآية 20 ] اختيار لا إيجاب . وقيل معنى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) [ الشّعراء : الآية 219 ] وتقلبك في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا في الساجدين : أي في المصلين ، ففي الساجدين ليس متعلقا بتقلبك بل بساجدا المحذوف . لا يقال : يعارض جعل الساجدين عبارة عن المؤمنين أن من جملة آبائه صلى اللّه عليه وسلم آزر والد إبراهيم الخليل صلى اللّه على نبينا وعليه وسلم وكان كافرا . لأنا نقول : أجمع أهل الكتاب على أن آزر كان عمه ، والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما فقد حكى اللّه عن يعقوب عليه السلام أنه قال : « آبائي إبراهيم وإسماعيل » ومعلوم أن إسماعيل إنما هو عمه . أي ويدل لذلك أن أبا إبراهيم كان اسمه تارخ بالمثناة فوق والمعجمة كما عليه جمهور أهل النسب ، وقيل بالمهملة وعليه اقتصر الحافظ في الفتح لا آزر ، لكن ادعى بعضهم أنه لقب له ، لأن آزر اسم