الحلبي

430

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

إليك لنكلمك ، فإنا واللّه لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعيبت الدين ، وسببت الآلهة ، وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، ولم يبق أمر قبيح إلا أتيته فيما بيننا وبينك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا فنحن نسودك ونشرفك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك تابعا من الجن قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طبك » . وفي رواية « أنهم لما اجتمعوا ودعوه صلى اللّه عليه وسلم ، فجاءهم مسرعا طمعا في هدايتهم حتى جلس إليهم وعرضوا عليه الأموال والشرف والملك ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، وأن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه تعالى حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » . وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « دعت قريش النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون به أغنى رجل بمكة ، ويزوّجوه ما أراد من النساء ، ويكف عن شتم آلهتهم ولا يذكرها بسوء » فقد ذكر « أن عتبة بن ربيعة قال له : إن كان أنّ ما بك الباءة ، فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرا ، وقالوا له : ارجع إلى ديننا ، واعبد آلهتنا ، واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك ، وقالوا له : إن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة لك فيها صلاح ، قال : وما هي ؟ قال : تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة ونعبد إلهك سنة ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبده خيرا مما نعبد كنت أخذت منه بحظك ، وإن كان الذي نعبد خيرا مما تعبد كنا قد أخذنا منه بحظنا ، فقال لهم : حتى أنظر ما يأتي من ربي ، فجاء الوحي بقوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) [ النصر : الآية 1 - 4 ] السورة » . وعن جعفر الصادق أن المشركين قالوا له : اعبد معنا آلهتنا يوما نعبد معك إلهك عشرة ، واعبد معنا آلهتنا شهرا نعبد معك إلهك سنة ، فنزلت » أي لا أعبد ما تعبدون يوما ، ولا أنتم عابدون ما أعبد عشرة ، ولا أنا عابد ما عبدتم شهرا ولا أنتم عابدون ما أعبد سنة ، روى ذلك التقدير جعفر ردا على بعض الزنادقة حيث قالوا له طعنا في القرآن : لو قال امرؤ القيس : قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل وكرر ذلك أربع مرات في نسق أما كان عيبا ؟ فكيف وقع في القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) [ الكافرون : الآية 1 ] السورة وهي مثل ذلك وقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ