الحلبي

43

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أي ظهر لهذا العالم منك كريم : أي جامع لكل صفة كمال ، وهذا على حد قولهم : لي من فلان صديق حميم ، وذلك الكريم الذي ظهر وجد من أب كريم سالم من نقص الجاهلية آباؤه الشامل للأمهات جميعهم كرماء : أي سالمون من نقائص الجاهلية : أي ما يعد في الإسلام نقصا من أوصاف الجاهلية ، وهذا نسب لا أجل منه ، ولجلالته إذا تأملته تظن بسبب ما تحلى به من الكمالات : أي معاليها جعلت الجوزاء نجومها التي يقال لها نطاق الجوزاء قلادة لتلك المعالي ، وهذه القلادة نعم هي قلادة سيادة وتمدح موصوفة بأنك في تلك القلادة الدرة اليتيمة التي لا مشابه لها المحفوظة عن الأعين لجلالتها . لا يقال : شمول الآباء للأمهات لا يناسب قوله نسب ، لأن النسب الشرعي في الآباء خاصة . لأنا نقول : المراد بالنسب ما يعم اللغوي أو قد يقال سلامة آبائه من النقائص إنما هو من حيث أبيه : أي كونه متفرعا عنه ، وذلك يستلزم أن تكون أمهاته كذلك ، وسيأتي « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى . وقد قال الماوردي في كتاب « أعلام النبوة » : وإذا اختبرت حال نسبه صلى اللّه عليه وسلم وعرفت طهارة مولده صلى اللّه عليه وسلم علمت أنه سلالة آباء كرام ليس فيهم مسترذل ، بل كلهم سادة قادة ، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة ، هذا كلامه ومن كلام عمه أبي طالب : إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حصلت أنساب عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها بالرفع عطفا على المصطفى ، وسر القوم : وسطهم ، فأشرف القوم قومه ، وأشرف القبائل قبيلته ، وأشرف الأفخاذ فخذه . وعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أحب العرب فبحبي أحبهم ، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم » . وعن سلمان الفارسي رضي اللّه تعالى عنه قال قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك ، قلت يا رسول اللّه كيف أبغضك وبك هداني اللّه تعالى ؟ قال : تبغض العرب فتبغضني » . وعن علي رضي اللّه تعالى عنه قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يبغض العرب إلا منافق » . وفي الترمذي عن عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم