الحلبي

413

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ولما نزلت هذه السورة التي هي تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : الآية 1 ] قال أبو لهب لابنه عتبة أي بالتكبير رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه أسلم يوم الفتح كما سيأتي : رأسي من رأسك حرام إن لم تفارق ابنة محمد ، يعني رقية رضي اللّه عنها فإنه كان تزوّجها ولم يدخل بها ففارقها ووقع في كلام بعضهم طلقها لما أسلم فليتأمل . وكان أخوه عتيبة بالتصغير متزوجا ابنته صلى اللّه عليه وسلم أم كلثوم ، ويدخل بها . فقال : أي وقد أراد الذهاب إلى الشام : لآتين محمدا فلأوذينه في ربه ، فأتاه فقال : يا محمد هو كافر بالنجم : أي وفي لفظ برب النَّجْمِ إِذا هَوى ، وبالذي دنا فتدلى ، ثم بصق في وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم وردّ عليه ابنته وطلقها ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم سلط » وفي رواية « اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك » وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها أبو طالب . وقال : ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة ، فرجع عتيبة إلى أبيه أبي لهب فأخبره بذلك ، ثم خرج هو وأبوه إلى الشام في جماعة ، فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من دير . فقال لهم : إن هذه الأرض مسبعة ، فقال أبو لهب لأصحابه إنكم قد عرفتم نسبي وحقي ، فقالوا أجل يا أبا لهب . فقال أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة ، فإني أخاف على ابني دعوة محمد ، فأجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ثم افرشوا لابني عليه ثم افرشوا حوله ، ففعلوا ثم جمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة ، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله . وفي رواية « فضخ رأسه » وفي رواية « ثنى ذنبه ووثب وضربه بذنبه ضربة واحدة فخدشه فمات مكانه » وفي رواية « فضغمه ضغمة فكانت إياها » فقال وهو بآخر رمق ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس لهجة ومات ، فقال أبوه : قد عرفت واللّه ما كان ليفلت من دعوة محمد : أقول : وحلفه بالنجم إلى آخره يدل على أن ذلك كان بعد الإسراء والمعراج . ووقع مثل ذلك لجعفر الصادق ، قيل له : هذا فلان ينشد الناس هجاءكم يعني أهل البيت بالكوفة ، فقال لذلك القائل : هل علقت من قوله بشيء ؟ قال نعم قال فأنشد : صلبنا لكم زيدا على رأس نخلة * ولم أر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من عليّ وأطيب فعند ذلك رفع جعفر يديه ، وقال اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك ، فخرج ذلك الرجل فافترسه الأسد ، وإنما سمي الأسد كلبا لأنه يشبه الكلب في أنه إذا بال رفع رجله . ومن ثم قيل : إن كلب أهل الكهف كان أسدا . وقيل كان رجلا منهم جلس عند الباب طليعة لهم ، فسمي باسم الكلب لملازمته للحراسة ، ووصف ببسط الذراعين لأن ذلك من صفة الكلب الذي هو الحيوان .