الحلبي
392
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أبياتا من الشعر قلتها في ذلك النبي ؟ قلت نعم ، فذكر له أبياتا ، قال أبو بكر : فقدمت مكة وقد بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم فجاءني صناديد قريش كعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة وأبي جهل وأبي البختري ، فقالوا يا أبا بكر يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي ، ولولا انتظارك ما انتظرنا به ، فإذا قد جئت فأنت الغاية والكفاية : أي لأن أبا بكر كما تقدم كان صديقا له صلى اللّه عليه وسلم ، قال أبو بكر : فصرفتهم على أحسن شيء ثم جئته صلى اللّه عليه وسلم فقرعت عليه الباب فخرج إليّ وقال لي : يا أبا بكر إني رسول اللّه إليك وإلى الناس كلهم ، فآمن باللّه ، فقلت : وما دليلك على ذلك ؟ قال : الشيخ الذي أفادك الأبيات ، فقلت : ومن أخبرك بهذا يا حبيبي ؟ قال : الملك العظيم الذي يأتي الأنبياء قبلي ، قلت مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه ، قال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه : فانصرفت وما بين لابتيها أشد سرورا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإسلامي . وفي لفظ أشد سرورا مني بإسلامي ، ولا مانع من صدور الأمرين منه رضي اللّه تعالى عنه . ويحتاج للجمع بين هذا وبين ما تقدم من أنه كان مع حكيم بن حزام يوما إلى آخره على تقدير صحة الروايتين ، وما جاء من شعر حسان رضي اللّه تعالى عنه من أن أبا بكر أول الناس إسلاما حيث يقول فيه : وأول الناس منهم صدق الرسلا وأنه صلى اللّه عليه وسلم سمع ذلك منه ولم ينكره ، بل قال : صدقت يا حسان كما سيأتي عند الكلام على الهجرة . وقول بعض الحفاظ إن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه أول الناس إسلاما هو المشهور عند الجمهور من أهل السنة لا ينافي ما تقدم من أن عليا أوّل الناس إسلاما بعد خديجة ، ثم مولاه زيد بن حارثة ، لأن المراد أول رجل بالغ ليس من الموالي أسلم أبو بكر . أي وعبارة ابن الصلاح والأورع أن يقال : أول من أسلم من الرجال الأحرار . أي غير الموالي أبو بكر ، ومن الصبيان عليّ ومن النساء خديجة ، ومن الموالي زيد بن حارثة ، وهذا ما قبله يدل على أن إسلام زيد بن حارثة كان بعد البلوغ ، وإلا فلا حاجة لزيادة « ليس من الموالي » تأمل . أو أن مراد من قال إن أبا بكر سبق عليا في الإسلام : أي في إظهار الإسلام ، لأنه حين أسلم أظهر إسلامه بخلاف عليّ ، فقد جاء عن علي رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : إن أبا بكر رضي اللّه عنه سبقني إلى أربع وعدّ منها إظهار الإسلام وقال وأنا أخفيته ، ولعله لا ينافي ذلك ما جاء بسند حسن أن أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب ، لأن ذلك كان عند اختفائه صلى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه في دار الأرقم كما سيأتي ، فالأولية في إظهار الإسلام إضافية .