الحلبي
376
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
علمه بقوله افعل كذا في وضوئك وصلاتك ، ويدل للأول ما سيأتي . وفيه أن قول جبريل المذكور إنما كان عند أمره بإظهار الدعوة والمفاجأة بها إلى اللّه تعالى بعد فترة الوحي كما سيأتي ، فالجمع بينه وبين قوله ثم ضرب برجله الأرض إلى آخره لا يحسن ، لأنه سيأتي أن ذلك كان في يوم نزوله له اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : الآية 1 ] ولعله من تصرف بعض الرواة ، واللّه أعلم . فعن ابن إسحاق : حدثني بعض أهل العلم « أن الصلاة حين افترضت على النبي صلى اللّه عليه وسلم : أي قبل الإسراء أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينظر ليريه كيف الطهور - أي الوضوء للصلاة - أي فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه وغسل رجليه إلى الكعبين » كما في بعض الروايات أي وفي رواية « فغسل كفيه ثلاثا ، ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ، ثم غسل يديه إلى المرفقين ، ثم مسح رأسه ، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ، ثم أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم فتوضأ مثل وضوئه » . أقول : وبهذه الرواية ، يردّ قول بعضهم : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم زاد في الوضوء التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق ومسح جميع الرأس والتخليل ومسح الأذنين والتثليث ، إلا أن يقال مراد هذا البعض أن ما ذكر زاده على ما في الآية . وفي كلام بعضهم : كانت العرب في الجاهلية يغتسلون من الجنابة ، ويداومون على المضمضة والاستنشاق والسواك ، واللّه أعلم . ثم قام جبريل فصلى به صلى اللّه عليه وسلم ركعتين يحتمل أن تلك الصلاة كانت بالغداة قبل طلوع الشمس . ويحتمل أنها كانت بالعشي : أي قبل غروب الشمس . وفي الإمتاع وإنما كانت الصلاة قبل الإسراء صلاة بالعشيّ : أي قبل غروب الشمس ، ثم صارت صلاة بالغداة ، وصلاة بالعشي ركعتين : أي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي . والعشي : هو العصر . ففي كلام بعض أهل اللغة : العصر العشاء ، والعصران الغداة والعشي ، وكانت صلاته صلى اللّه عليه وسلم نحو الكعبة ، واستقبل الحجر الأسود : أي جعل الحجر الأسود قبالته وهذا يدل على أنه لم يستقبل في تلك الصلاة بيت المقدس ، لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا إذا صلى بين الركنين الأسود واليماني كما كان يفعل بعد فرض الصلوات الخمس وهو بمكة ، كما سيأتي « أنه كان يصلي بين الركنين الركن اليماني والحجر الأسود ، ويجعل الكعبة بينه وبين الشام » أي بينه وبين بيت المقدس : أي صخرته ، إلا أن يقال يجوز أن يكون عند صلاته إلى الكعبة كان بينهما إلا أنه كان إلى الحجر الأسود أقرب منه إلى اليماني ، فقيل استقبل الحجر الأسود فلا مخالفة ، لكن سيأتي ما قد يفيد أنه لم يستقبل بيت المقدس إلا في الصلوات الخمس : أي بعد الإسراء