الحلبي

363

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

برجعة محمد ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [ القصص : الآية 85 ] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى . وأظهر أمر الوصية : أي أن عليا رضي اللّه تعالى عنه أوصى له صلى اللّه عليه وسلم بالخلافة ، وكان هو السبب في إثارة الفتنة التي قتل فيها عثمان رضي اللّه تعالى عنه كما سيأتي . ومن غلاة الشيعة من قال بألوهية أصحاب الكساء الخمسة : محمد صلى اللّه عليه وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه تعالى عنهم . ومنهم من قال « بألوهية جعفر الصادق وألوهية آبائه » وهم الحسين وابنه زين العابدين وابن زين العابدين محمد الباقر ، وهؤلاء الشيعة موافقون في ذلك لمن يقول بالحلول ، وهم الحلاجية أصحاب حسين بن منصور الحلاج . كانوا إذا رأوا صورة جميلة زعموا أن معبودهم حل فيها . وممن زعم الحلول حتى ادعى الألوهية المقنع عطاء الخراساني ، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة ادعى أن اللّه عز وجل حل في صورة آدم ، ثم في صورة نوح ثم إلى أن حل في صورته هو ، فافتتن به خلق كثير بسبب التمويهات التي أظهرها لهم ، فإنه كان يعرف شيئا من السحر والنيرنجيات ، فقد أظهر قمرا يراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب . ولما اشتهر أمره ثار عليه الناس وقصدوه ليقتلوه . وجاءوا إلى القلعة التي كان متحصنا بها . فلما علم ذلك أسقى أهله سما فماتوا ومات ، ودخل الناس تلك القلعة فقتلوا من بقي حي بها من أتباعه . والقول بالاتحاد كفر ، فقد قال العز بن عبد السلام : من زعم أن الإله يحل في شيء من أجسام الناس أو غيرهم فهو كافر ، وأشار إلى أنه كافر إجماعا من غير خلاف . وأنه لا يجري فيه الخلاف الذي جرى في تكفير المجسمة ، ومن ثم ذكر القاضي عياض في الشفاء أن من ادعى حلول الباري في أحد الأشخاص كان كافرا بإجماع المسلمين . وقول بعض العارفين وهو أبو يزيد البسطامي : سبحاني ما أعظم شأني ، وقوله : « إني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدون . وقوله : وأنا ربي الأعلى ، وقوله : أنا الحق وهو أنا وأنا هو : ليس من دعوى الحلول في شيء ، وإنما قوله : سبحاني إني أنا اللّه ، محمول على الحكاية : أي قال ذلك على لسان الحق من باب حديث « إن اللّه تعالى قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده » وقوله أنا ربي الأعلى وأنا الحق الخ . إنما قال ذلك لأنه انتهى سلوكه إلى اللّه تعالى ، بحيث استغرق في بحر التوحيد ، بحيث غاب عن كل ما سواه سبحانه ، وصار لا يرى في الوجود غيره سبحانه وتعالى ، الذي هو مقام الفناء ومحو النفس وتسليم الأمر كله له تعالى ، وترك الإرادة منه والاختيار . فالعارف إذا وصل إلى هذا المقام ربما قصرت عبارته عن بيان ذلك الحال