الحلبي
305
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
شفاء من سبعين داء أدناها الهمّ والغم والحزن » وفرق بين الغم والهم ، بأن الغم يعرض منه السهر ، والهم يعرض منه النوم . وفي حكمة آل داود : العافية ملك خفي ، وهمّ ساعة هرم سنة . وقال الأطباء : الهم يوهن القلب ، وفيه ذهاب الحياة ، كما أن في الحزن ذهاب البصر . وفي الحديث « من كثر همه سقم بدنه » فعلم أن النجوم على تسليم أنه كان يرمي بها قبل الولادة وبعدها إلى البعثة كانت قبل قرب زمن المبعث تصيب تارة ولا تصيب أخرى مع قلتها ، وعند البعثة تصيب ولا بد مع كثرتها ، وإن الكثرة هي سبب الفزع لا دوام الإصابة ، وإلا فمجرد دوام الإصابة لا يكون حاملا على الفزع لأنه لا يظهر لكل أحد ، بخلاف الكثرة ، ومجرد الكثرة لا يكون سببا لقطع الكهانة ، أو أنها قبل البعث كانت ترمي من جانب دون آخر ، وبعد البعثة رميت من جميع الجوانب وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ( 8 ) دُحُوراً [ الصافات : الآية 8 و 9 ] فكان ذلك سببا للفزع ، والمراد وجود ذلك مع دوام الإصابة ليكون سببا لقطع الكهانة ، وإلا فمجرد الرمي من كل جانب مع قلة الإصابة لا يكون سببا لقطع الكهانة ، ولما انقطعت الكهانة بعدم إخبار الجن قالت العرب هلك من في السماء ، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا ، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة ، وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة حتى أسرعوا في أموالهم أي في إتلافها ، فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب : أيها الناس أمسكوا على أموالكم ، فإنه لم يمت من في السماء ، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي ، والشمس والقمر ؟ كذا في كلام بعضهم ، ولعله لا يخالف ما تقدم من أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم ثقيف ، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية ، ولرجل آخر يقال له عبد يا ليل ، لجواز أن يكون ما ذكر هنا صدر من بعضهم لبعض ، ثم اجتمعوا على عمرو وعبد ياليل واللّه أعلم . وظاهر القرآن والأخبار أن الذي يرمي به الشياطين المسترقون نفس النجم ، وإنه المعبر عنه بالكوكب وبالمصباح وبالشهاب . وقيل الشهاب عبارة عن شعلة نار تنفصل من النجم أي كما قدمنا فأطلق عليها لفظ النجم ، ولفظ المصباح ، ولفظ الكوكب ، ويكون معنى وَجَعَلْناها رُجُوماً [ الملك : الآية 5 ] جعلنا منها رجوما وهي تلك الشهب ، ومعنى كونها حفظا باعتبار ما ينشأ عنها من تلك الشهب . وقالت الفلاسفة : إن الشهب إنما هي أجزاء نارية تحصل في الجوّ عند ارتفاع الأبخرة المتصاعدة واتصالها بالنار التي دون الفلك . وقيل السحاب إذا اصطكت أجرامه تخرج نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه ، إلا أنها مع حدّتها سريعة الخمود . فقد حكي أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت قاله في الكشاف .