الحلبي
280
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وجمعنا بينهما بأن الأول يكون هو المرئي لغالب الناس ولو غير حديد البصر والثاني لمن يكون حديد البصر منهم ، وأما المرئي له صلى اللّه عليه وسلم ، فقيل كان يرى أحد عشر نجما . وقيل اثني عشر نجما . وجمعنا بينهما بحمل الأول على ما إذا لم يمعن النظر . والثاني على ما إذا أمعن النظر ، وحينئذ يقتضي هذا أن تكون الخلفاء من بني العباس اثني عشر . وعن سعيد بن جبير : سمعت ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما يقول : يكون منا ثلاثة أهل البيت السفاح والمنصور والمهدي . ورواه الضحاك عن ابن عباس مرفوعا . والمهدي في هذه الرواية يحتمل أن المراد به أبو الرشيد ، ويحتمل أن يكون المنتظر . وروى أبو نعيم بسند ضعيف « أنه صلى اللّه عليه وسلم خرج فتلقاه العباس ، فقال : ألا أسرك يا أبا الفضل ؟ قال بلى يا رسول اللّه ، قال : إن اللّه فتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه » وفي رواية « ويختمه بولدك » . وقد أفردت ترجمة المهدي المنتظر بالتأليف في مجلد حافل سماه مؤلفه « الفواصم عن الفتن القواصم » . وقد رويت قصة سلمان رضي اللّه تعالى عنه على غير هذا الوجه الذي تقدم . فعنه قال : كان لي أخ أكبر مني ، وكان يتقنع بثوبه ويصعد الجبل يفعل ذلك غير ما مرة متنكرا ، فقلت له : أما إنك تفعل كذا وكذا فلم لا تذهب بي معك ؟ قال : أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء . قلت : لا تخف ، قال : إن في هذا الجبل قوما لهم عبادة وصلاح يذكرون اللّه ويذكرون الآخرة ويزعمون أنا على غير دين . قلت : فاذهب بي معك إليهم قال : حتى استأمرهم فاستأمرهم ، فقالوا جيء به فذهبت معه فانتهيت إليهم فإذا هم ستة أو سبعة وكأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل ، يأكلون الشجر وما وجدوا فصعدنا إليهم ، فحمدوا اللّه تعالى وأثنوا عليه ، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم . قالوا : ولد بغير ذكر ، وبعثه اللّه رسولا ، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وإبراء الأعمى والأبرص ؟ فكفر به قوم وتبعه قوم . ثم قالوا : يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا ، وإن بين ذلك جنة ونارا لهما تصير وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة ، لا يرضى اللّه بما يصنعون ، وليسوا على دين ، ثم انصرفنا ثم عدنا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن ، فلزمتهم ثم اطلع عليهم الملك فأمرهم بالخروج من بلاده ، فقلت : ما أنا بمفارقكم فخرجت معهم حتى قدمنا الموصل ، فلما دخلوا حفوا بهم ، ثم أتاهم رجل من كهف جبل فسلم وجلس فحفوا به ، فقال لهم : أين كنتم ؟ فأخبروه ، فقال : ما هذا الغلام معكم . فأثنوا عليّ خيرا