الحلبي
258
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
والشاذروان الذي أخرجه عبد اللّه بن الزبير من عرض الأساس الذي بنته قريش لأجل مصلحة استمساك البناء وثباته . ومن العجب ما حدث به بعضهم قال : كنت أميرا على الجيش الذي بعث به يزيد بن معاوية إلى عبد اللّه بن الزبير بمكة ، فدخلت مسجد المدينة ، فجلست بجانب عبد الملك بن مروان ، فقال لي عبد الملك : أنت أمير هذا الجيش ؟ قلت نعم ، قال ثكلتك أمك ، أتدري إلى من تسير ؟ تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام : أي بالمدينة من أولاد المهاجرين ، وإلى ابن حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإلى ابن ذات النطاقين يعني أسماء ، وإلى من حنكه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أما واللّه إن جئته نهارا وجدّته صائما ، وإن جئته ليلا وجدته قائما ، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم اللّه في النار جميعا ، فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه . وذكر بعضهم أن عبد الملك بن مروان لما رأى جيش يزيد متوجها إلى مكة قال : أعوذ باللّه أيبعث الجيش إلى حرم اللّه ، فضرب منكبه شخص كان يهوديا وأسلم وكان يقرأ الكتب وقال له : جيشك إليه أعظم . ويقال إن هذا اليهودي مرّ على دار مروان والد عبد الملك هذا ، فقال : ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار : أي لأن مروان كان سببا لقتل عثمان ، وعبد الملك ابنه كان سببا لقتل عبد اللّه بن الزبير ، ووقع من الوليد بن يزيد بن عبد الملك الأمور الفظيعة . وسبب ولاية الحجاج على الجيش أنه قال لعبد الملك بن مروان : رأيت في منامي أني أخذت عبد اللّه بن الزبير فسلخته فولني قتاله فولاه ، فأرسله في جيش كثيف من أهل الشام ، فحضر ابن الزبير ورمى الكعبة بالمنجنيق . ولما رمي به أرعدت السماء وأبرقت فخاف أهل الشام ، فصاح الحجاج : هذه صواعق تهامة وأنا ابنها ، ثم قام ورمى المنجنيق بنفسه فزاد ذلك ، ولم تزل صاعقة تتبعها أخرى حتى قتلت اثني عشر رجلا فخاف أهل الشام زيادة . قال بعضهم : ولا زال الحجج يحضهم على الرمي بالمنجنيق ، ولم تزل الكعبة ترمى بالمنجنيق حتى هدمت وحرقت أستارها حتى صارت كالفحم . أي وفيه أنه لو كانت هدمت أو حرقت لأعيد بناؤها أو أصلحت بالترميم ، ولو وقع ذلك لنقل ، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله ، ولعل هذا اشتبه على بعض الرواة ، ظن أن الذي وقع من جيش يزيد واقع من الحجاج . فإن قيل هلا أهلك اللّه من نصب المنجنيق على الكعبة كما أهلك أبرهة ؟ قلنا لأن من نصب المنجنيق لم يرد هدم الكعبة ، بخلاف أبرهة كما تقدم . وفيه أنه قد يشكل كونه حرما آمنا .