الحلبي
244
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ويقال إن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أن يعلم الجيش وهم أهل الشام ، فنادى فيهم يا أهل الشام قد أهلك اللّه طاغيتكم يعني يزيد ، فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فعل ، ومن أحب أن يرجع إلى شأنه فليفعل ، فانفلّ الجيش ، وبايع عبد اللّه بن الزبير جماعة بالخلافة ، ودخلوا في طاعته ظاهرا . ويقال إن أمير الجيش طلب من ابن الزبير أن يحدثه فخرج من الصفين حتى اختلفت رؤوس فرسيهما وجعل فرس أمير الجيش ينفر ويكفها فقال له ابن الزبير : ما لك ؟ فقال : إن حمام الحرم تحت رجليها فأكره أن أطأ حمام الحرم ، فقال تفعل هذا ، وأنت تقتل المسلمين فقال له : تأذن لنا أن نطوف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا ، فأذن لهم فطافوا ، وقال له : إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر يعني الخلافة فارحل معي إلى الشام ، فو اللّه لا يختلف عليك اثنان ، فلم يثق به ابن الزبير وأغلظ عليه القول ، فكرّ راجعا وهو يقول : أعده بالملك وهو يعدني بالقتل . ومن ثم قيل : كان في ابن الزبير خلال لا تصلح معها الخلافة : منها سوء الخلق ، وكثرة الخلاف . ودخل في طاعة ابن الزبير جميع أهل البلدان إلا الشام ومصر ، فإن مروان بن الحكم تغلب عليهما بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية . فإن معاوية هذا مكث في الخلافة أربعين يوما ، وقيل عشرين يوما بعد أن كان مروان عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق . وقد كان ابن الزبير لما ولى أخاه نائبا عنه بالمدينة أمره بإجلاء بني أمية وفيهم مروان وابنه عبد الملك إلى الشام ، فلما أراد مروان أن يبايع ابن الزبير بدمشق ثنى عزمه عن ذلك جماعة ، وقالوا له : أنت شيخ قريش وسيدها ، وقد فعل معكم ابن الزبير ما فعل فأنت أحق بهذا الأمر ، فوافقهم ومكث تسعة أشهر في الخلافة وهو الرابع من خلفاء بني أمية . وقام بالأمر بعده ولده عبد الملك ، وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام ، ثم عهد عبد الملك لأولاده الأربعة من بعده : الوليد ، ثم سليمان ، ثم يزيد ، ثم هشام . وادعى عمرو بن سعيد أن مروان عهد إليه بعد ابنه عبد الملك ، فضاق عبد الملك بذلك ذرعا ، واستعجل أمر عمرو بدمشق ، فلم يزل به عبد الملك حتى قتله . وفي كلام ابن ظفر أن عبد الملك لما خرج لمقاتلة عبد اللّه بن الزبير خرج معه عمرو بن سعيد ، وقد انطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعيته في نقل الخلافة ، فلما ساروا عن دمشق أياما تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبد الملك في العودة إلى دمشق ، فأذن له ، فلما عاد ودخل دمشق صعد المنبر وخطب خطبة نال فيها من عبد الملك ، ودعا الناس إلى خلعه ، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ، فاستولى على دمشق وحصن سورها ، وبذل الرغائب ، وبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجه إلى ابن الزبير ،