الحلبي
237
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ستين سوطا ، وألبسه ثيابا من شعر ، وأركبه جملا وطاف به في المدينة ، ثم أودع السجن ، فلما بلغ ذلك عبد الملك أرسل يعنف والي المدينة على ذلك ويأمره بإخراجه من الحبس ، هذا كلامه . وفي كلام البلاذري ، وكان جابر بن الأسود عاملا لابن الزبير على المدينة وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا ، إذ لم يبايع لابن الزبير ، هذا كلامه . إلا أن يقال : لا مانع أن يكون سعيد فعل به الأمران لأن ولاية ابن الزبير سابقة على ولاية عبد الملك والد الوليد . ثم رأيت الحافظ ابن كثير صرح بذلك حيث ذكر أن سعيد بن المسيب ضرب بالسياط المذكورة ، وفعل به ما تقدم لما امتنع من المبايعة لابن الزبير ، وفعل به ذلك أيضا لما امتنع من البيعة للوليد . وفي طبقات الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه اللّه تعالى في ترجمة سعيد بن المسيب : وضربه عبد الملك بن مروان حيث امتنع من مبايعته ، وألبسه المسوح ، ونهى الناس عن مجالسته ، فكان كل من جلس إليه يقول له : قم لا تجالسني فإنهم قد جلدوني ومنعوا الناس عن مجالستي هذا كلامه ، إلا أن يقال ، المراد امتنع من قبول مبايعة عبد الملك لولده الوليد فلا مخالفة ، وإنما امتنع سعيد بن المسيب من المبايعة للوليد ، لأنه روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد فهو شر لأمتي من فرعون لقومه » وفي رواية « هو أضر على أمتي من فرعون على قومه » زاد في رواية « يسد به ركن من أركان جهنم » وفي لفظ « زاوية من زوايا جهنم » فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك . قال ابن كثير : وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، لا الوليد بن عبد الملك الذي هو عمه . وكان سعيد بن المسيب أعبر الناس للرؤيا قال له رجل : رأيت كأني أبول في يدي ، فقال : تحتك ذات محرم ، فنظر فإذا بينه وبين امرأته رضاعة . وأخذ سعيد تعبير الرؤيا عن أسماء بنت أبي بكر وهي أخذت ذلك عن والدها أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما . وعن سعيد أخذ ابن سيرين ذلك . وعن ابن سيرين . كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يعبر الرؤيا في زمنه صلى اللّه عليه وسلم وفي حضرته . وعن الزهري « رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رؤيا فقصها على أبي بكر . فقال : رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف . قال : يا رسول اللّه يقبضك اللّه إلى مغفرة ورحمة ، وأعيش بعدك سنتين ونصفا » فكان كما عبر فقد عاش بعده صلى اللّه عليه وسلم سنتين وسبعة أشهر وقال له : « رأيتني أردفت غنما سودا ثم أردفتها غنما بيضا حتى ما ترى السود فيها ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه أما الغنم السود فإن العرب يسلمون ويكثرون ، والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لا ترى