الحلبي
230
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
واللّه إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبلك ما قبلتك . فقال له عليّ رضي اللّه تعالى عنه : بلى يا أمير المؤمنين ، هو يضر وينفع . قال ولم ؟ قلت : ذاك بكتاب اللّه ، قال : وأين ذلك من كتاب اللّه ؟ قلت : قال اللّه تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الأعراف : الآية 172 ] الآية . وكتب ذلك في رق ، وكان هذا الحجر له عينان ولسان ، فقال له افتح فاك فألقمه ذلك الرق ، وجعله في هذا الموضع ، فقال : تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، فقال عمر رضي اللّه عنه : أعوذ باللّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن » . وعن قتادة قال : ذكر لنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بني البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجوديّ وحراء . وذكر لنا أن قواعده من حراء التي وضعها آدم مع الملائكة . أقول : تقدم أن تلك القواعد كانت من جبل لبنان ، ومن طور سيناء ، ومن طور زيتا ، ومن الجودي ، ومن حراء ، إلا أن يقال يجوز أن يكون معظم ذلك كان من حراء فليتأمل . وذكر بعضهم أنه كان له ركنان ، وهما اليمانيان : أي لم يجعل له إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا الركنين المذكورين ، فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان . وذكر الحافظ ابن حجر أن ذا القرنين الأول وهو المذكور في القرآن في قصة موسى عليه الصلاة والسلام وهو إسكندر الرومي ، قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك ، فقالا : نحن عبدان مأموران ، فقال لهما : من يشهد لكما ؟ فقامت خمسة أكبش شهدت : أي قلن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران بالبناء ، فقال : رضيت وسلمت وقال لهما صدقتما . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : لما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام بمكة وأقبل ذو القرنين : عليهما فلما كان بالأبطح قيل له : في هذه البلدة إبراهيم خليل الرحمن . فقال ذو القرنين : ما ينبغي لي أن أركب في بلدة فيها إبراهيم خليل الرحمن ، فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فسلم عليه إبراهيم واعتنقه ، فكان هو أول من عانق عند السلام . قال الفاكهي : وأظن أن الأكبش المذكورة : أي التي شهدت أحجارا ، ويحتمل أن تكون غنما . ووصف ذي القرنين بالأكبر احترازا من ذي القرنين الأصغر وهو الإسكندر اليوناني فإنه كان قريبا من زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ، وبين عيسى وإبراهيم