الحلبي
208
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لحرفا لو حدثتكموه لقتلتموني قال : وظننا أن فيه ذكر محمد صلى اللّه عليه وسلم فكتمناه ، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى ساحل جدة : أي الذي به جدة الآن ، وكان ساحل مكة قبل ذلك الذي يرمي به السفن يقال له الشعيبية بضم الشين ، فلا يخالف قول غير واحد ، فلما كانت السفينة بالشعيبية ساحل مكة انكسرت . وفي لفظ حبسها الريح ، وتلك السفينة كانت لرجل من تجار الروم اسمه باقوم وكان بانيا . وقيل كانت تلك السفينة لقيصر ملك الروم يحمل له فيها الرخام والخشب والحديد ، سرحها مع باقوم إلى الكنيسة التي حرقها الفرس بالحبشة ، فلما بلغت مرساها من جدة ، وقيل من الشعيبية بعث اللّه تعالى عليها ريحا فحطمها : أي كسرها . فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها ، فأعدوه لسقف الكعبة . وقيل هابوا هدمها من أجل تلك الحية العظيمة ، فكانوا كلما أرادوا القرب منه أي البيت ليهدموه بدت لهم تلك الحية فاتحة فاها ، فبينا هي ذات يوم تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث اللّه طائرا أعظم من النسر ، فاختطفها وألقاها في الحجون فالتقمتها الأرض ، قيل وهي الدابة التي تكلم الناس يوم القيامة . وقد جاء أن الدابة تخرج من شعب أجياد . وفي حديث « أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة التي تكلم الناس فأخرجها له من الأرض ، فرأى منظرا هاله وأفزعه ، فقال : أي رب ردها فردها » . فقالت قريش عند ذلك : إنا لنرجو أن يكون اللّه تعالى قد رضي ما أردنا : أي بعد أن اجتمعوا عند المقام ، وعجوا إلى اللّه تعالى : ربنا لن نراع ، أردنا تشريف بيتك وتزيينه ، فإن كنت ترضى بذلك فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان يعنون الحية ، وإلا فما بدا لك فافعل ، فسمعوا في السماء صوتا ووجبة وإذا بالطائر المذكور أخذها وذهب بها إلى أجياد ، فقالوا ما ذكر ، وقالوا : عندنا عامل رفيق وعندنا أخشاب ، وقد كفانا اللّه الحية وذلك العامل هو باقوم الرومي الذي كان بالسفينة وكان بانيا كما تقدم ، فإنهم جاءوا به معهم إلى مكة ، أو هو باقوم مولى سعيد بن العاص وكان نجارا ، وتلك الأخشاب هي التي اشتروها من تلك السفينة التي كسرت . أقول : ومع أخذ الطائر لتلك الحية يجوز أن يقال هابوا هدمها حتى قدم عليه الوليد بن المغيرة ، فلا مخالفة بين ما تقدم عن ابن إسحاق وبين هذا الظاهر في أنهم هدموها عند أخذ الطائر لتلك الحية ولم يهابوا هدمها حتى فعل الوليد ما تقدم ، واللّه أعلم . أي ثم لما أرادوا بنيانها تجزأتها قريش : أي بعد أن أشار عليهم بذلك أو وهب