الحلبي

206

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فطمحت عيناه إلى السماء : أي وندوي : عورتك ، فقال إزاري إزاري : أي شدوا عليّ إزاري ، فشدّ عليه . وفي رواية : سقط فغشي عليه ، فضمه العباس إلى نفسه ، وسأله عن شأنه ، فأخبره أنه نودي من السماء أن شد عليك إزارك ، وهذا يبعد ما جاء في رواية قال له العباس أي بعد أن أمر بستر عورته وسترها : يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك ، فقال : ما أصابني ما أصابني إلا من التعرّي . وفي رواية : بينا النبي صلى اللّه عليه وسلم يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته ، فنودي يا محمد خمر عورتك : أي غطها ، فلم ير عريانا أي مكشوف العورة بعد ذلك . أي وقد يقال : هذا لا يخالف ما تقدم عن العباس رضي اللّه تعالى عنه ، لأنه يجوز أن يكون ذلك صدر من العباس حينئذ ، وغايته أنه سمى النمرة إزارا له . قال : واستبعد بعض الحفاظ ذلك : أي وقوع هذا مع ما تقدم من نهيه عن ذلك : أي الذي تضمنه الأمر بالستر عند إصلاح عمه أبي طالب لزمزم قبل هذا ، قال لأنه صلى اللّه عليه وسلم إذا نهي عن شيء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه ا ه : أي وقد عاد إلى ذلك . أقول : يجوز أن يكون صلى اللّه عليه وسلم لم يفهم أن أمره بستر عورته أولا عزيمة ، بل جواز الترك ، وفي الثانية علم أنه عزيمة . لا يقال : تقدم « من كرامتي على ربي أن أحدا لم ير عورتي » وتقدم أن ذلك من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم . ففي الخصائص الصغرى « أنه صلى اللّه عليه وسلم لم تر عورته قط ، ولو رآها أحد طمست عيناه » لأنه لا يلزم من كشف عورته صلى اللّه عليه وسلم رؤيتها كما لم يلزم من حضانته وتربيته ومجامعة زوجاته ذلك . فعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها « ما رأيت منه ، صلى اللّه عليه وسلم » والظاهر أن بقية زوجاته كذلك ، واللّه أعلم . ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر : أي خوف من أن يمنعهم اللّه تعالى ما أرادوا : أي بأن يوقع بهم البلاء قبل ذلك ، سيما وقد شاهدوا ما وقع لعمرو بن عائذ . أي قال : وعند ابن إسحاق أن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه أي خافوا من أنه يحصل لهم بسببه بلاء ، فقال الوليد بن المغيرة لهم ، أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة ؟ قالوا : بل نريد الإصلاح ، قال : فإن اللّه لا يهلك المصلحين ، قالوا من الذي يعلوها فيهدمها ، قال أنا أعلوها وأنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول : اللهم لم ترع أي بالراء والعين المهملتين ، والضمير في ترع للكعبة : أي لا تفزع الكعبة لا نريد إلا الخير : أي وفي رواية لم نزغ بالنون والزاي