الحلبي
20
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
تلك الصور بأسمائهم ، ثم لما تقادم الزمان وماتت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم إن الذين كانوا قبلكم يعبدون هذه الصور فعبدوها ، فأرسل اللّه لهم نوحا ، فنهاهم عن عبادتها فلم يجيبوه لذلك ، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق . فأول ما حدثت عبادة الأصنام في قوم نوح ، فأرسله اللّه تعالى إليهم فنهاهم عن ذلك . ويقال إن عمرو بن لحي هو الذي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد ، وكانت الأزد يحجون إليه ويعظمونه ، وكذلك الأوس والخزرج وغسان . وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في تفسيره لبعض الآيات القرآنية عند قوله تعالى وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الرعد : الآية : 15 ] أن أصل وضع الأصنام إنما هو من قوة التنزيه من العلماء الأقدمين ، فإنهم نزهوا اللّه تعالى عن كل شيء وأمروا بذلك عامتهم ، فلما رأوا أن بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الأصنام وكسوها الديباج والحلي والجواهر ، وعظموها بالسجود وغيره ليتذكروا بها الحق الذي غاب عن عقولهم ، وغاب عن أولئك العلماء أن ذلك لا يجوز إلا بإذن من اللّه تعالى ، هذا كلامه . وكان في زمان جرهم رجل فاجر يقال له إساف فجر بامرأة يقال لها نائلة في جوف الكعبة أي قبلها فيها كما في تاريخ الأزرقي . وقيل زنى بها فمسخا حجرين ، فأخرجا منها ونصبا على الصفا والمروة ليكونا عبرة ، فلما كان زمن عمرو بن لحي أخذهما ونصبهما حول الكعبة أي على زمزم وجعلا في وجهها وصار من يطوف يتمسح بهما يبدأ بإساف ويختم بنائلة ، وذلك قبل أن يقدم عمرو بهبل وبتلك الأصنام ، وكانت قريش تذبح ذبائحها عندهما . وذكر أنه صلى اللّه عليه وسلم لما كسر نائلة عند فتح مكة خرجت منها امرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها وهي تنادي بالويل والثبور ، وكان عمرو يخبر قومه بأن الرب يشتي بالطائف عند اللات ويصيف عند العزى ، فكانوا يعظمونهما وكانوا يهدون إلى العزى كما يهدون إلى الكعبة . وقصي هو الذي أمر قريشا أن يبنوا بيوتهم داخل الحرم حول البيت وقال لهم إن فعلتم ذلك هابتكم العرب ولم تستحل قتالكم ، فبنوا حول البيت من جهاته الأربع وجعلوا أبواب بيوتهم جهته لكل بطن منهم باب ينسب الآن إليه ، كباب بني شيبة ، وباب بني سهم ، وباب بني مخزوم ، وباب بني جمع ، وتركوا قدر الطواف بالبيت ، فبنى قصي دار الندوة وهي أول دار بنيت بمكة ، واستمر الأمر على أنه ليس حول الكعبة إلا قدر المطاف ، وليس حوله جدار زمنه صلى اللّه عليه وسلم وزمن ولاية الصديق رضي اللّه