الحلبي

197

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وميسرة قد عاين الملكين إذ * أظلاك لما سرت ثاني سفرة وأخبرها ميسرة بقول الراهب نسطورا ، وقول الآخر الذي حالفه : أي استحلفه في البيع : أي وقصة البعيرين . وحينئذ أعطت خديجة له صلى اللّه عليه وسلم ضعف ما سمته له : أي وما سمته له ضعف ما كانت تعطيه لرجل من قومه كما تقدم . وقول ميسرة له صلى اللّه عليه وسلم فيما تقدم : لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك يدل على أنها سمت له بكرتين ، وكانت تسمي لغيره بكرة . وفي كلام بعضهم : وفي الروض الباسم : استأجرته على أربع بكرات . وفي الجامع الصغير ما نصه : آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوصين . ثم رأيت في الإمتاع ما يوافق ذلك ، ونصه : وأجر صلى اللّه عليه وسلم نفسه من خديجة سفرتين بقلوصين ، وفي السفرة الأولى أرسلته مع عبدها ميسرة إلى سوق حباشة : أي وهو مكان بأرض اليمن بينه وبين مكة ست ليال كانوا يبتاعون فيه ثلاثة أيام ، من أول رجب في كل عام ، فابتاعا منه بزا ورجعا إلى مكة ، فربحا ربحا حسنا . وفي السفرة الثانية أرسلته مع عبدها ميسرة إلى الشام . وفيه أن سفره مع ميسرة إلى الشام سفرة ثالثة . فعن مستدرك الحاكم وصححه وأقره الذهبي عن جابر : أن خديجة استأجرته صلى اللّه عليه وسلم سفرتين إلى جرش بضم الجيم وفتح الراء : موضع باليمن كل سفرة بقلوص ، وهي الشابة من الإبل ، وهو يفيد أنه صلى اللّه عليه وسلم سافر لها ثلاث سفرات كما تقدم ، ولعل سوق حباشة هو جرش ، وإلا لزم أن يكون صلى اللّه عليه وسلم سافر لها خمس سفرات : أربعة إلى اليمن ، وواحدة إلى الشام ، وما تقدم عن الروض الباسم من أنها استأجرته في سفرة إلى الشام بأربع بكرات لا يناسب ما تقدم عن ميسرة . قد جاء في بعض الروايات : أن أبا طالب جاء لخديجة ، وقال لها : هل لك أن تستأجري محمدا ؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرتين ، وليس نرضى لمحمد دون أربع بكرات ، فقالت خديجة : لو سألت لبعيد بغيض ، فكيف وقد سألت لحبيب قريب ؟ . ثم لا يخفى أن كون سفره صلى اللّه عليه وسلم مع ميسرة بسوق حباشة قبل سفره معه إلى الشام مخالف لظاهر ما تقدم من قول عمه أبي طالب ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، فلو جئتها فوضعت نفسك عليها ، وقول خديجة ما علمت أنه يريد هذا . وإنما قلنا ظاهر ، لأنه يجوز أن يكون بعد قول أبي طالب ، وقولها المذكور أرسلته صلى اللّه عليه وسلم مع ميسرة إلى سوق حباشة لقرب مسافته وقصر زمنه ، ثم أرسلته مع ميسرة إلى الشام ، أو كانت خديجة لا تجوّز أن أبا طالب يرضى بسفره إلى الشام ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم يوافق على ذلك فليتأمل .