الحلبي
195
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لا تبقي في العادة هذا الزمن الطويل ، ويبعد في العادة أن تكون شجرة تخلو عن أن ينزل تحتها أحد غير الأنبياء ، لأن هذا الأمر مع كونه ممكنا خارق للعادة ، والأنبياء لهم خرق العوائد سيما نبينا صلى اللّه عليه وسلم . وبهذا يردّ قول السهيلي : يريد ما نزل تحت هذه الشجرة الساعة إلا نبي ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء عليهم السلام قبل ذلك وإن كان في لفظ الخبر « قط » أي كما تقدم ، فقد تكلم بها على جهة التأكيد للنفي ، والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء . ويبعد في العادة أيضا أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجيء نبي ، هذا كلامه . وقد يقال : يجوز أن تكون تلك الشجرة كانت شجرة زيتون . فقد ذكر أن شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة ، على أن في بعض الروايات : ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت شجرة يابسة نخر عودها ، فلما اطمأن تحتها اخضرت ونورت ، واعشوشب ما حولها ، وأينع ثمرها ، ودلت أغصانها ترفرف على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال بعضهم : المختار عند جمهور المحققين من أهل السنة أن كل ما جاز وقوعه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المعجزات جاز للأولياء مثله من الكرامات بشرط عدم التحدي ، لأن المعجزة يعتبر فيها التحدي وأن تكون بعد النبوة ، وما قبل النبوة كما هنا يقال له إرهاص . وحينئذ لا يستبعد ما ذكر عن الشيخ رسلان رحمه اللّه أنه كان إذا استند إلى شجرة يابسة قد ماتت تورق ويخرج ثمرها في الحال . على أنه سيأتي في الكلام على غزاة الخندق أن كرامات الأولياء معجزات لأنبيائهم . ولما رأى الراهب ما ذكر لم يتمالك الراهب أن انحدر من صومعته ، وقال له : باللات والعزى ما اسمك ؟ فقال له : إليك عني ، ثكلتك أمك ، ومع ذلك الراهب رقّ مكتوب ، فجعل ينظر في ذلك الرق ، ثم قال هو هو ومنزل التوراة ، فظن بعض القوم أن الراهب يريد بالنبي صلى اللّه عليه وسلم مكرا ، فانتضى سيفه وصاح : يا آل غالب يا آل غالب ، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون : ما الذي راعك ؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها ، ثم أشرف عليهم فقال : يا قوم ما الذي راعكم مني ؟ فوالذي رفع السماوات بغير عمد إني لأجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة هو رسول رب العالمين صلى اللّه عليه وسلم ، يبعثه اللّه بالسيف المسلول ، وبالريح الأكبر ، وهو خاتم النبيين ، فمن أطاعه نجا ، ومن عصاه غوى ، ثم حضر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سوق بصرى ، فباع سلعته التي خرج بها واشترى . قال : ولم أقف على تعيين ما باعه وما اشتراه انتهى .