الحلبي
187
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
البراض خلفه يطلب غفلته ، فلما استغفله وثب عليه فقتله : أي فإنه شرب الخمر وغنته القينات ، فسكر ونام ، فجاءه البراض وأيقظه ، فقال له الرحال : ناشدتك اللّه لا تقتلني فإنها كانت مني زلة وهفوة ، فلم يلتفت إليه وقتله وذلك في الشهر الحرام ، فأتى آت كنانة وهم بعكاظ مع هوازن ، فقال لكنانة : إن البراض قد قتل عروة الرحال وهو في الشهر الحرام ، فانطلقوا وهوازن لا تشعر ثم بلغهم الخبر ، فاتبعوهم فأدركوهم قبيل دخولهم الحرم ، فأمسكت عنهم هوازن ، ثم التقوا بعد هذا اليوم وعاونت قريش كنانة . ولا يخفى أن في هذا تصريحا بأن القتال لم يكن في الشهر الحرام ، لأنهم إذا كانوا في الشهر الحرام لا يقاتلون مطلقا أي وإن لم يدخلوا الحرم ، فكفهم عن قتالهم لمقاربتهم دخول الحرم ، وقتالهم لهم في اليوم الثاني دليل على أن قتالهم لم يكن في الشهر الحرام ، ومكث القتال بينهم أربعة أيام : أي كما تقدم . أقول : قال السهيلي : الصواب ستة أيام ، واللّه أعلم . قال : وشهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض تلك الأيام ، أخرجه أعمامه معهم : أي ويدل له ما تقدم من أنه كان إذا حضر غلبت كنانة وإذا لم يحضر هزمت ، وفي بعض تلك الأيام وهو أشدها : أي وهو اليوم الثالث قيد أمية وحرب ابنا أمية بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب أنفسهم كيلا يفروا ، فسموا العنابس : أي الأسود ا ه . أي وحرب والد أبي سفيان وأمية أخوه ماتا على الكفر ، وأبو سفيان أسلم كما سيأتي ، ثم تواعدوا للعام المقبل بعكاظ ، فلما كان العام المقبل جاءوا للوعد : أي وكان أمر قريش وكنانة إلى عبد اللّه بن جدعان . وقيل كان إلى حرب بن أمية والد أبي سفيان ، لأنه كان رئيس قريش وكنانة يومئذ ، وكان عتبة ابن أخيه ربيعة بن عبد شمس يتيما في حجره ، فضنّ أي بخل به حرب ، وأشفق : أي خاف من خروجه معه ، فخرج عتبة بغير إذنه ، فلم يشعر أي يعلم به إلا وهو على بعير بين الصفين ينادي : يا معشر مضر غلام تفانون ؟ فقالت له هوازن : ما تدعو إليه ؟ قال : الصلح الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا : أي فإن قريشا وكنانة كان لهم الظفر على هوازن يقتلونهم قتلا ذريعا : أي وذلك لا ينافي انهزامهم في بعض الأيام ، قالوا : وكيف ؟ قال : ندفع لكم رهنا منا إلى أن نوفي لكم ذلك ، قالوا : ومن لنا بهذا ؟ قال أنا ، قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فرضيت به هوازن وكنانة وقريش ، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام ، وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم ، فلما رأت هوازن الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم ، وانقضت حرب الفجار . وفي رواية : وودت قريش قتلى هوازن ، ووضعت الحرب أوزارها .