الحلبي
184
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ويردّ القول بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الدراهم والدنانير : أي ويمنع دلالة قوله صلى اللّه عليه وسلم « ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط » على ذلك لجواز أن يكون المراد يذكر فيها القيراط كثيرا لكثرة التعامل به فيها ، أو أن المراد بالقيراط ما يذكر في المساحة . وجمع الحافظ ابن حجر بأنه رعى لأهله أي أقاربه بغير أجرة ، ولغيرهم بأجرة ، والمراد بقوله « أهلي » أهل مكة : أي الشامل لأقاربه ولغيرهم . قال : فيتجه الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة أي التي هي القراريط ، وفي الآخر بين المكان : أي الذي هو أجياد ، فلا تنافي في ذلك ، هذا كلامه ملخصا . وعبارته تقتضي وقوع الأمرين منه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو مما يتوقف على النقل في ذلك . قال ابن الجوزي : كان موسى ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم رعاة غنم . وهذا يرد قول بعضهم لم يرد ابن إسحاق برعايته صلى اللّه عليه وسلم الغنم إلا رعايته لها في بني سعد مع أخيه من الرضاع : أي وقد يتوقف في كون قول ابن الجوزي هذا بمجرده يردّ قول هذا البعض ، نعم يرده ما تقدم وما يأتي . وفي الهدى أنه صلى اللّه عليه وسلم آجر نفسه قبل النبوة في رعية الغنم . ومن حكمة اللّه عز وجل في ذلك أن الرجل إذا استرعى الغنم التي هي أضعف البهائم سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا ، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذب أولا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي ، فيكون في أعدل الأحوال . ووقع الافتخار بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم : أي عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فاستطال أصحاب الإبل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بعث موسى وهو راعي غنم ، وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت أنا وأنا راعي غنم أهلي بأجياد » أي وهو موضع بأسفل مكة من شعابها ، ويقال له جياد بغير همزة ، ولعل المراد بقوله : « راعي غنم » أي وكذا قوله : « وأنا راعي غنم » أي وقد رعى الغنم ، وقد رعيت الغنم ، إذ الأخذ بظاهر الحالية بعيد ، ولتنظر حكمة الاقتصار على من ذكر من الأنبياء مع قوله السابق : « ما بعث اللّه نبيا إلا رعى الغنم » وما يأتي من قوله « وما من نبي إلا وقد رعاها » وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « الغنم بركة والإبل عز لأهلها » وقال في الغنم « سمنها معاشنا ، وصوفها رياشنا ، ودفؤها كساؤنا » وفي رواية « سمنها معاش ، وصوفها رياش » أي وفي الحديث « الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل ، والسكينة والوقار في أهل الغنم » ولعل هذا لا ينافي ما جاء في الأمثال قالوا : أحمق . وفي لفظ : أجهل من راعي ضأن لما بين ، لأن الضأن تنفر من كل شيء فيحتاج راعيها إلى جمعها : أي وذلك سبب لحمقه فليتأمل . وفي رواية « الفخر والخيلاء » وفي لفظ « والرياء في أهل الخيل والوبر » قال : وفيما تقدم في الباب قبل هذا من أمر السمر دليل على ذلك : أي على رعايته للغنم أيضا ، وما رواه