الحلبي
175
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أي والغضروف تقدم أنه رأس لوح الكتف ، ثم رجع وصنع لهم طعاما ، فلما أتاهم به كان النبي صلى اللّه عليه وسلم في رعية الإبل ، فأرسلوا إليه ، فأقبل وعليه غمامة تظله ، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة : فلما جلس مال فيء الشجرة عليه ، فقال الراهب : انظروا إلى فيء هذه الشجرة مال عليه . فبينما هو قائم عليهم وهو يعاهدهم أن لا يذهبوا به إلى أرض الروم : أي داخل الشام ، فإنهم إن عرفوه قتلوه ، فالتفت فإذا سبعة من الروم قد أقبلوا ، فاستقبلهم ، فقال : ما جاء بكم ؟ قالوا جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر : أي مسافر فيه ، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا . قال : أفرأيتم أمرا أراد اللّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده ؟ قالوا لا ، فبايعوه : أي بايعوا بحيرا على مسالمة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعدم أخذه وأذيته على حسب ما أرسلوا فيه ، وأقاموا عند ذلك الراهب خوفا على أنفسهم ممن أرسلهم إذا رجعوا بدونه . قال بحيرا لقريش : أنشدكم اللّه : أي أسألكم باللّه أيكم وليه ؟ قالوا : أبو طالب . فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه بلالا . وفي لفظ : وبعث معه أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بلالا ، وزوده بحيرا من الكعك والزيت : أي وإذا كانت القصة واحدة فالاختلاف في إيرادها من الرواة كما تقدم نظيره . فبعض الرواة قدم في هذه الرواية وأخر . على أنه في الهدى قال : وقع في كتاب الترمذي وغيره أن عمه : أي وأبا بكر رضي اللّه تعالى عنه بعث معه بلالا ، وهو من الغلط الواضح ، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا ، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر . وذكر في الأصل أن في هذه الرواية أمورا منكرة حيث قال : قلت ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرّج له في الصحيح ، ومع ذلك : أي مع صحة سنده ، ففي متنه نكارة : أي أمور منكرة : وهي إرسال أبي بكر مع النبي صلى اللّه عليه وسلم بلالا ، فإن بلالا لم ينقل لأبي بكر إلا بعد هذه السفرة بأكثر من ثلاثين عاما ، ولأن أبا بكر لم يبلغ العشر سنين حينئذ ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم أسن منه بأزيد من عامين بقليل : أي بشهر . ولا ينافي ما يأتي : وتقدم أن سنه صلى اللّه عليه وسلم حينئذ تسع سنين على الراجح أي فيكون سن أبي بكر نحو سبع سنين وكان بلال أصغر من أبي بكر رضي اللّه عنهما ، فلا يتجه هذا بحال : أي لأن أبا بكر حينئذ لم يكن أهلا للإرسال عادة ، وكذا بلال لم يكن أهلا لأن يرسل . وكون النبي صلى اللّه عليه وسلم أسن من أبي بكر هو ما عليه الجمهور من أهل العلم بالأخبار والسير والآثار . وما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سأل أبا بكر فقال له : من الأكبر أنا أو أنت ؟ فقال له أبو بكر : أنت أكرم وأكبر وأنا أسن . قيل فيه إنه وهم وإن ذلك إنما يعرف عن عمه