الحلبي
169
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أفلحت العرب ما دام فيها عمدانها ، فلما ولي عثمان رضي اللّه تعالى عنه الخلافة هدمه . وكان أبو طالب مقلا من المال ، فكان عياله إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا ، وإذا أكل معهم النبي صلى اللّه عليه وسلم شبعوا ، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يغشيهم يقول لهم ، كما أنتم حتى يأتي ابني ، فيأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيأكل معهم ، فيفضلون من طعامهم ، وإن كان لبنا شرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولهم ، ثم تتناول العيال القعب : أي القدح الذي من الخشب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم : أي جميعهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعبا واحدا . فيقول أبو طالب : إنك لمبارك . أقول : وفي الإمتاع وكان أي أبو طالب يقرب إلى الصبيان يصبحهم أول البكرة فيجلسون وينتهبون فيكف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده لا ينتهب معهم . فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة ، هذا كلامه ، ولا ينافي ما قبله ، لأنه يجوز أن يكون ذلك خاصا بما يحضر في البكرة الذي يقال له الفطور دون الغداء والعشاء ، فإنه كان يأكل معهم وهو المقدم ، واللّه أعلم . وكان الصبيان يصبحون شعثا رمصا بضم الراء وإسكان الميم ثم صاد مهملة ويصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دهينا كحيلا . قالت أم أيمن : ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشكو جوعا قط ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره . وكان صلى اللّه عليه وسلم يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شعبان : أي في بعض الأوقات ، فلا ينافي ما سبق . وكان يوضع لأبي طالب وسادة يجلس عليها فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم فجلس عليها ، فقال : إن ابن أخي ليحسّ بنعيم : أي بشرف عظيم . قال : واستسقى أبو طالب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال جلهمة بن عرفطة : قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول اعتمدوا اللات والعزى . وقائل منهم يقول اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى ، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون : أي كيف تصرفون عن الحق وفيكم باقية إبراهيم ، وسلالة إسماعيل عليهما السلام ؟ أي فكيف تعدلون عنه إلى ما لا يجدي . قالوا : كأنك عنيت أبا طالب ، قال : إيها ، فقاموا بأجمعهم وقمت معهم ، فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه ، عليه إزار قد اتشح به فثاروا أي قاموا إليه ، فقالوا ، يا أبا طالب ، أقحط الوادي ، وأجدب العيال ، فهلم فاستسق لنا ، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة بدال مهملة فجيم