الحلبي

155

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

إليّ وهو فرح متبسم ، فقلت له : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك ، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم فمم ذاك ؟ قال ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها ، فأحياها فآمنت وردها اللّه تعالى » . وهذا الحديث قد حكم بضعفه جماعة ، منهم الحافظ أبو الفضل بن ناصر الدين ، والجوزقاني وابن الجوزي ، والذهبي في الميزان ، وأقره على ذلك الحافظ ابن حجر في لسان الميزان جعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخا لأحاديث النهي عن الاستغفار : أي لها . منها ما جاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم لما قدم مكة » أي ولعله في عمرة القضاء ، لأنه لم يقدم مكة نهارا « مع أصحابه قبل حجة الوداع إلا في ذلك أتى رسم قبر أمه فجلس إليه فناجاه طويلا ثم بكى ، قال ابن مسعود فبكينا لبكائه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قام ثم دعانا ، فقال : ما أبكاكم ؟ قلنا بكينا لبكائك ، فقال : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة » الحديث . وفي رواية « أتى قبر أمه فجلس إليه ، فجعل يخاطبه ، ثم قام مستعبرا ، فقال بعض الصحابة : يا رسول اللّه قد رأينا ما صنعت ، قال : إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي » وفي رواية « إن جبريل عليه الصلاة والسلام ضرب في صدره صلى اللّه عليه وسلم وقال : لا تستغفر لمن مات مشركا ، فما رئي باكيا أكثر منه يومئذ » وفي رواية « استأذنته في الدعاء لها : أي بالاستغفار ، فلم يأذن لي وأنزل علي ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [ التّوبة : الآية 113 ] فأخذني ما يأخذ الولد للوالد » قال القاضي عياض : بكاؤه صلى اللّه عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به أي النافع إجماعا ، وكونه ناسخا لذلك غير جيد ، لأن أحاديث النهي عن الاستغفار بعض طرقها صحيح رواه مسلم وابن حبان في صحيحيهما . ونص مسلم « استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة » وفي لفظ « تذكركم الموت » وهذا الحديث : أي حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها على تسليم ضعفه أي دون وضعه لا يكون ناسخا للأحاديث الصحيحة . أقول : ذكر الواحدي في أسباب النزول أن آيتي ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [ التّوبة : الآية 113 ] - وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [ التّوبة : الآية 114 ] نزلتا لما استغفر صلى اللّه عليه وسلم لعمه أبي طالب بعد موته فقال المسلمون : ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذي قرابتنا ؟ هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستغفر لعمه ، وقد استغفر إبراهيم لأبيه : أي فنزولهما كان عقب موت أبي طالب . لا يقال جاز أن تكون آية ما كانَ لِلنَّبِيِّ [ التّوبة : الآية 113 ] تكرر نزولها لما استغفر صلى اللّه عليه وسلم لعمه ولما استغفر لأمه ، لأنا نقول كونه يعود للاستغفار بعد أن نهى عنه فيه ما