الحلبي
142
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
خلق من نفخة روح القدس أعيذ من مغمز الشيطان . قال : ولا يدل هذا على فضل عيسى عليه الصلاة والسلام على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد نزع منه ذلك الغمز هذا كلامه ، وقد علمت أنه إنما هو محل ما يلقيه الشيطان من الأمور التي لا تنبغي ، وأن ذلك مخلوق في كل واحد من الأنبياء عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ، ولم تنزع إلا من نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ثم غسلا قلبي بذلك الثلج » أي الذي في ذلك الطست » حتى أنقياه أي وملآه حكمة وإيمانا » كما في بعض الروايات : أي وفي رواية « ثم قال أحدهما لصاحبه ائتني بالسكينة ، فأتى بها فذراها في قلبي » وهذه السكينة يحتمل أن تكون هي الحكمة والإيمان . ويحتمل أن تكون غيرهما وهذه الرواية فيها أن الطست كان من ذهب ، وكذا في الرواية الآتية . وفي الرواية قبل هذه « كانت من زمردة خضراء » ويحتاج إلى الجمع وسنذكره في هذه الرواية وكذا الرواية الآتية أن الثلج كان في الطست . وفي الرواية قبل هذه « كان في يد أحدهما إبريق فضة » ويحتاج إلى الجمع لأن الواقعة لم تتعدد ، وهو عند حليمة ، وفي غسله بالثلج إشعار بثلج اليقين وبرده على الفؤاد ، ذكره السهيلي رحمه اللّه . وذكر في حكمة كون الطست من ذهب كلاما طويلا قال صلى اللّه عليه وسلم : « وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن » وفي الروايات السابقة طيّ ذكر الخاتم . وتتمة الجواب الذي أجاب به صلى اللّه عليه وسلم أخا بني عامر التي وعدنا بذكرها هنا هو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « وكنت مسترضعا في بني سعد ، فبينا أنا ذات يوم منتبذا أي منفردا « من أهلي في بطن واد مع أتراب لي » أي المقاربين بالموحدة أو النون « لي في السن من الصبيان ، إذ أتى رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملآن ثلجا فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هرابا حتى أتوا على شفير الوادي ، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا : ما أربكم ؟ أي ما حاجتكم إلى هذا الغلام ؟ فإنه ليس منا ، هذا ابن سيد قريش ، وهو مرتضع فينا ، يتيم ليس له أب ، فما يرد عليكم أن يفيدكم قتله ، وما ذا تصيبون من ذلك ؟ فإن كنتم لا بد قاتلوه أي إن كان لا بدّ لمكان من قتل واحد فاختاروا منا من شئتم فليأتكم مكانه ، فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم ، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يجيبون جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحيّ يؤذنونهم » أي يعلمونهم « ويستصرخونهم على القوم ، فعمد أحدهم إليّ فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ، ثم شق بطني ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه ، فلم أجد لذلك مسا » أي أدنى مشقة « واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها » أي بالغ في غسلها « ثم أعادها مكانها » أي وقد طوي ذكر استخراج الأحشاء وغسلها في الروايات السابقة . ولا يخفى أن من جملة الأحشاء ظاهر القلب