الحلبي
73
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
طالب ومن معه من المسلمين فحضروا وخطب النجاشي رضي اللّه عنه ، فقال « الحمد للّه الملك القدوس » أي في لفظ بدل ذلك « المؤمن المهيمن ، العزيز الجبار . أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أما بعد - فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فأجبنا إلى ما دعا إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أصدقها أربعمائة دينار ، أي وفي لفظ أربعمائة مثقال ذهب ثم سكب الدنانير بين يدي القوم ، فتكلم خالد بن سعيد بن العاص رضي اللّه عنه ، فقال : الحمد للّه أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . أما بعد : فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فبارك اللّه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ، أي ودفع النجاشي الدنانير لخالد بن سعيد ، فقبضها منه ، وقيل إنه أنقدها لها النجاشي على يد جاريته التي بشرتها ، فلما جاءتها بتلك الدنانير أعطتها خمسين دينارا . وقد يقال : يجوز أن يكون النجاشي استردها من خالد ثم دفعها لتلك الجارية ، أو أمر خالد بن سعيد بدفعها للجارية لتدفعها لأم حبيبة فلا مخالفة ، وهذا السياق يدل على أن النجاشي كان هو الوكيل عنه صلى اللّه عليه وسلم . وفي كلام بعض فقهائنا أنه صلى اللّه عليه وسلم وكل عمرو بن أمية في نكاح أم حبيبة . وقد يقال : معنى توكيل عمرو إرساله بالوكالة للنجاشي ، أي ثم لما أرادوا أن يقوموا بعد العقد قال لهم النجاشي : اجلسوا ، فإن من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج ؛ فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا ، قالت أم حبيبة رضي اللّه عنها : فلما كان من الغد جاءتني جارية النجاشي فردت عليّ جميع ما أعطيتها وقالت : إن الملك عزم عليّ أن لا أرزأك شيئا ، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر ، فجاءت بورس وعنبر وزباد كثير ، وقالت : حاجتي إليك أن تقرئي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه ، وكانت كلما دخلت عليّ تقول لا تنسي حاجتي إليك ، ثم أرسل النجاشي أم حبيبة مع شرحبيل ابن حسنة ، أي قالت أم حبيبة : ولما دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت معي جارية النجاشي وأقرأته منها السلام ، فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : وعليها السلام ورحمة اللّه وبركاته . وجاء « أنه لما رجعت إليه صلى اللّه عليه وسلم مهاجرة الحبشة قال : ألا تخبروني بأعجب شيء رأيتم بأرض الحبشة ؟ فقال فتية منهم : يا رسول اللّه بينما نحن جلوس إذ مرت بنا عجوز من عجائزهم وعلى رأسها قلة فيها ماء ، فمرت بصبي فدفعها فوقعت على ركبتيها فانكسرت قلتها ، فلما ارتفعت : أي قامت التفتت إليه فقالت : سوف تعلم يا