الحلبي
476
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
دمعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى ، فلم يزل كذلك حتى جاءه بلال رضي اللّه عنه فآذنه بالصلاة ، فقلت : يا رسول اللّه ما يبكيك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا ، ولم لا أفعل وقد أنزل اللّه تعالى عليّ في هذه الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) [ آل عمران : 190 ] إلى قوله : سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) [ آل عمران : الآية 191 ] . وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أواه من عذاب اللّه قبل أن لا ينفع أواه » أي وعن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أول من صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، فلما دخله وجد حره وغمه قال : أواه من عذاب اللّه ، أواه أواه قبل أن لا يكون أواه » . أي وفي « سفر السعادة » : لم يدخل صلى اللّه عليه وسلم الحمام أبدا ، والحمام الموجودة الآن بمكة شرفها اللّه تعالى المشهورة بحمام النبي صلى اللّه عليه وسلم لعلها بنيت في موضع اغتسل فيه صلى اللّه عليه وسلم مرة ، هذا كلامه . وأرسل صلى اللّه عليه وسلم وصيفة فأبطأت عليه ، فقال لها : لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك . وما ضرب صلى اللّه عليه وسلم بيده الشريفة امرأة ولا خادما من أهله . قال : وعن خادمه أنس رضي اللّه عنه : ما أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمر فتوانيت عنه ، أو ما صنعته فلامني ، ولا لامني أحد من أهله صلى اللّه عليه وسلم إلا قال دعوه . وفي لفظ : خدمته في السفر والحضر عشر سنين واللّه ما قال لي في شيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه هذا هكذا ؟ وهذا يدل على أنه رضي اللّه عنه خدمه أنس له صلى اللّه عليه وسلم عند قدومه المدينة ، وتقدم أن في بعض الروايات ما يدل على أن ابتداء خدمة أنس له صلى اللّه عليه وسلم في فتح خيبر ، وتقدم ما فيه . ووصف صلى اللّه عليه وسلم في الكتب القديمة بأن حلمه صلى اللّه عليه وسلم يسبق غضبه ، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما . وقد تقدمت قصته صلى اللّه عليه وسلم مع اليهودي الذي طلب منه وفاء ما اقترض منه صلى اللّه عليه وسلم قبل حلول الأجل ونظيرها . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن فحاشا . استأذن على النبي صلى اللّه عليه وسلم رجل ، فلما رآه صلى اللّه عليه وسلم قال : بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة ، فلما جلس تطلق النبي في وجهه وانبسط إليه ، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه . فقال صلى اللّه عليه وسلم : يا عائشة متى عهدتني فحاشا ؟ إن شر الناس عند اللّه منزلة يوم القيامة من