الحلبي
473
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
عورته ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يقابل السيئة بالحسنة ، ولا يذم ذواقا ولا يمدحه . والذواق الشيء ، يقال ما ذقت ذواقا : أي شيئا من طعام أو شراب . وعن عبد اللّه بن أبي بكر رضي اللّه عنهما عن رجل من العرب . قال : زحمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حنين وفي رجلي نعل كثيفة ، فوطئت بها على رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبعجني بعجة بسوط في يده ، وقال : بسم اللّه أوجعتني ، قال : فبت لنفسي لائما ، أقول أوجعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أصبحنا إذا رجل يقول أين فلان ، فانطلقت وأنا متخوف ، فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنك وطئت بنعلك على رجلي بالأمس فأوجعتني فبعجتك بالسوط فهذه ثمانون نعجة فخذها بها ، ولما نزل قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) [ الأعراف : الآية 199 ] قال له جبريل عليه السلام ، أي بعد أن سأله صلى اللّه عليه وسلم في ذلك : إن ربك عز وجل يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك . وفي الحديث : « لا ينال عبد صريح الإيمان حتى يكون كذلك » وفي الحديث إن ذلك أفضل أهل الدنيا والآخرة . وكان صلى اللّه عليه وسلم لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق والمسألة ، لا يقطع على أحد حديثه ، ولا يتكلم في غير حاجة ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها . وإنما يغضب إذا تعرض للحق بشيء وعند غضبه لذلك لا يثنيه شيء عن الانتصار له ، ويكرم كريم كل قوم ، ويوليه عليهم ، ويتفقد أصحابه ويسأل عنهم ، فإن كان غائبا دعا له ، وإن كان شاهدا زاره ، وإن كان مريضا عاده ، ويسأل الناس عما الناس فيه ، أفضل الناس عنده أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة ، أحسنهم مواساة ، لا يجلس ، ولا يقوم إلا عن ذكر ، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك ويعطي كل واحد من جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أحدا أكرم عليه منه . من جالسه أو نادمه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه . من سأله حاجة لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول . عنده الناس في الحق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء : لا ترفع فيه الأصوات ، ولا يتنازعون عنده الحديث . إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير : أي على غاية من السكون والوقار لأن الطير لا تكاد تقع إلا على ساكن ، وإذا تكلم عنده أحد أنصتوا له حتى يفرغ من حديثه : أي لا يقطع بعضهم على بعض حديثه ، يضحك مما يضحكون ، ويعجب مما يعجبون .