الحلبي
447
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ادع لي فلانا وفلانا رجالا سماهم ، وادع لي من لقيت ، فدعوت من سمى ومن لقيت ، فرجعت ، فإذا البيت غاصّ ، بأهله ، قيل لأنس : ما عددهم ؟ قال : كانوا ثلاثمائة فرأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وضع يده الشريفة على تلك الحيسة وتكلم بما شاء اللّه ، ثم جعل يدعو عنده عشرة يأكلون منه ، ويقول لهم : اذكروا اللّه وليأكل كل رجل مما يليه ، فأكلوا حتى شبعوا كلهم ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم لي : يا أنس ارفع فرفعت ، فما أدري حين وضعت كانت أكثر أو حين رفعت ، فمكثت عنده صلى اللّه عليه وسلم ثمانية أشهر وقيل شهران أو ثلاثة ، ثم توفيت وصلى عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودفنت بالبقيع ، وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها . ولم يمت من أزواجه صلى اللّه عليه وسلم في حياته إلا هي وخديجة رضي اللّه تعالى عنهما . ثم تزوج صلى اللّه عليه وسلم بعد زينب هذه أم سلمة . واسمها هند . وكانت قبله صلى اللّه عليه وسلم عند أبي سلمة رضي اللّه تعالى عنه عبد اللّه بن عبد الأسد ابن عمته صلى اللّه عليه وسلم برة بنت عبد المطلب ، وأخوه صلى اللّه عليه وسلم من الرضاعة ، وكانت هي وهو أول من هاجر إلى الحبشة على ما تقدم ، فلما مات أبو سلمة رضي اللّه تعالى عنه ، قال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : سلي اللّه أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرا ، فقالت : ومن يكن خيرا من أبي سلمة ؟ ولما اعتدت أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها أرسل صلى اللّه عليه وسلم يخطبها مع حاطب بن أبي بلتعة رضي اللّه تعالى عنه ، أي وكان خطبها أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فأبت ، وخطبها عمر فأبت ، فلما جاءها حاطب ، قالت : مرحبا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تقول له : إني امرأة مسنة ، وإني أم أيتام : أي لأنها رضي اللّه تعالى عنها كان معها أربع بنات : برة وسلمة وعمرة ودرة ، وإني شديدة الغيرة ، فأرسل صلى اللّه عليه وسلم يقول لها : أما قولك إني امرأة مسنة فأنا أسن منك ، ولا يعاب على المرأة أن تتزوج أسن منها . وأما قولك : إني أم أيتام فإن كلهم على اللّه وعلى رسوله . وأما قولك : إني شديدة الغيرة فإني أدعو اللّه أن يذهب ذلك عنك . أي وفيه أنهم قالوا : يا رسول اللّه ألا تتزوج من نساء الأنصار ؟ قال : إن فيهن غيرة شديدة . وفي لفظ أنها قالت زيادة على ما تقدم : ليس لي هاهنا أحد من أوليائي فيزوجني ، فأتاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال لها : أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعو اللّه أن يذهبها عنك . وأما ما ذكرت من صبيتك فإن اللّه سيكفيهم . وأما ما ذكرت من أوليائك فليس أحد من أوليائك يكرهني ، فقالت لابنها : زوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فزوجه أي على متاع منه رحى وجفنة وفراش حشوه ليف ، وقيمة ذلك المتاع عشرة دراهم ، وقيل أربعون درهما . قالت : فتزوجني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأدخلني بيت زينب أم المساكين رضي اللّه تعالى عنها بعد أن ماتت ، فإذا جرة فيها شيء من شعير ، وإذا رحى وبرمة وقدر وكعب : أي ظرف الأدم ، فأخذت ذلك الشعير فطحنته ثم عصدته في البرمة ، وأخذت الكعب فأدمته ، فكان ذلك طعام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وطعام أهله ليلة عرسه .