الحلبي

428

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عينان كسم الخياط يبصر بهما لا تحجبهما الثياب ، وقيل كانت تنطبع صورة المحسوسات التي خلفه في حائط قبلته كما تنطبع الصور في المرآة . وهذا يدل على أن ذلك خاص بالصلاة ، وهو ظاهر أكثر الروايات أي وكانت تلك الصلاة إلى حائط فليتأمل . وكان صلى اللّه عليه وسلم يرى الثريا اثنا عشر نجما وغيره لا يزيد على تسعة ولو أمعن النظر . واختصت هذه الأمة المحمدية بأمور لم يشاركها فيه من قبلهم من الأمم ، وهي أنها خير الأمم ، وأكرم الخلق على اللّه . قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : الآية 110 ] . وفي الحديث : « إن اللّه اختار أمتي على سائر الأمم . وإن اللّه ينظر إليها في أول ليلة من رمضان » وأعطيت الاجتهاد في الأحكام ، وأظهر اللّه ذكرها في الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل ، وأثنى عليها ، وأعطيت الصلوات الخمس : أي جمعت لهم على ما تقدم ، وأعطيت صلاة العشاء . فقد أخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي اللّه تعالى عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنكم فضلتم بها » أي بصلاة العشاء « على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم » وفيه ما تقدم . وأعطيت افتتاح الصلاة بالتكبير . وأعطيت التأمين : أي قول آمين عقب الدعاء ، فقد جاء : « أعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون اللّه أعطاها هارون فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون عليهما الصلاة والسلام » وتقدم أن آمين عقب الفاتحة ليس من القرآن اتفاقا . وأعطيت الاستنجاء بالحجر . وأعطيت الأذان والإقامة والركوع في الصلاة ، وأما قوله تعالى لمريم : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [ آل عمران : الآية 43 ] فالمراد بالركوع الخضوع كما تقدم ، ويلزمه أنها أعطيت في الرفع منه « سمع اللّه لمن حمده » . وفي الاعتدال « اللهم ربنا لك الحمد » إلى آخره . وأعطيت تحريم الكلام في الصلاة دون الصوم عكس من قبلهم . وأعطيت الجماعة في الصلاة . وأعطيت الاصطفاف فيها كصفوف الملائكة . وأعطيت صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء والوتر . وأعطيت قصر الصلاة في السفر ، والجمع بين الصلاتين فيه على ما تقدم وفي المطر والمرض على قول اختاره جمع من العلماء ومنهم والدي رحمه اللّه . وأعطيت صلاة الخوف وصلاة شدته . وأعطيت شهر رمضان على ما تقدم . وأعطيت فيه أمورا منها تصفيد الشياطين . وقد سئلت : ما فائدة تصفيد الشياطين في رمضان مع وجود الفساد والشر وقتل الأنفس فيه ؟ وقد أجبت عنه أربعة أجوبة ، حاصلها أن فائدة ذلك قلة الشر لا نفيه بالكلية ، وقد ذكرت ذلك في كتابي « إسعاف الإخوان في شرح غاية الإحسان » وهو