الحلبي
41
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
قال : وعن بعضهم : أي وهو أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه كان يقول : ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية ، ولكن الناس قصر رأيهم عما كان بين محمد صلى اللّه عليه وسلم وربه ، والعباد يعجلون واللّه لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد . لقد رأيت سهيل بن عمرو رضي اللّه عنه بعد إسلامه في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدنة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينحرها بيده ، ودعا الحلاق لحلق رأسه فانظر إلى سهيل كلما يلفظ من شعره صلى اللّه عليه وسلم يضعه على عينيه ، وأذكر امتناعه أن يقرّ يوم الحديبية بأن يكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أي وأن محمدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحمدت اللّه وشكرته الذي هداه للإسلام . وعن كعب بن عجرة رضي اللّه عنه قال « كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون قد حصرنا المشركون ، وكان لي وفرة فجعلت الهوام : أي القمّل تتساقط على وجهي ، فمرّ بي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » وفي رواية « ملت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقمّل يتناثر على وجهي » وفي رواية « أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : ادنه ، فدنوت يقول ذلك مرتين أو ثلاثا » وفي رواية « أتى عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زمن الحديبية وأنا أوقد تحت برمة » وفي لفظ « قدر لي ، فقال : يؤذيك تؤذيك هوامّ رأسك ؟ قال أجل ، قال : احلق واهد هديا ، فقال : ما أجد هديا ، فقال صم ثلاثة أيام » وفي لفظ « فقال : أيؤذيك هوامّ رأسك » وفي لفظ « لعلك آذاك هوامّ رأسك ، قلت : نعم يا رسول اللّه ، قال : ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا ، فأمرني أن أحلق » أي وفي رواية « أصابتني هوامّ في رأسي وأنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الحديبية ، حتى تخوّفت على بصري ، وأنزل اللّه تعالى هذه الآية فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ [ البقرة : الآية 196 ] أي فحلق فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ البقرة : الآية 196 ] فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : صم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق » أي زاد في رواية « من زبيب بين ستة مساكين » والفرق بفتح الفاء والراء : ثلاثة آصع ، أي زاد في رواية « من تمر ، لكل مسكين نصف صاع ، أو انسك » أي اذبح « ما تيسر لك » انتهى . زاد في رواية : « أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك فحلقت ، ثم نسكت » . أي وفي رواية الشيخين « انسك شاة ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم فرقا من الطعام على ستة مساكين » . قال ابن عبد البر عامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير ، وهو نص القرآن ، وعليه عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم ، وما ورد من الترتيب في بعض الأحاديث لو صح كان معناه الاختيار أولا فأولا . قال الزمخشري في « سفر السعادة » : أمر صلى اللّه عليه وسلم في علاج القمّل بحلق الرأس لتنفتح المسام ، وتتصاعد الأبخرة ، وتضعف المادة الفاسدة التي يتولد القمل منها . وذكر في الهدى أن أصول الطب ثلاثة : الحمية ، وحفظ الصحة ، والاستفراغ ،